كتاب 11

12:41 مساءً EET

الرؤيـة السعودية 2030 والمصالحة مع إيـران

تنشط روسيا بتسارع في فرض أجندتها في الشرق الأوسط، فخلال (96) ساعة فقط، إلتقى الرئيسان الروسي والإيراني في “باكو”، والرئيسان الروسي والتركي في “سانت بطرس بيرغ”، ووزيرا خارجية تركيا وإيران في “أنقرة”. هذا دليل على إصرار روسيا على تغيير المعادلة في الشرق الأوسط بحسب موازين القوى الجديدة. هذا التغيير والتحالف المحتمل يعني، من وجهة نظرنا، بقاء السعودية وحدها في ميدان الصراع الشرق الأوسطي أما في إنتظار سياسة أمريكية أكثر وضوحاً وفعّالية، أو حبيسة ردود أفعال تجاه ما يحصل من أحداث في المنطقة، بينما يحدث بتسارع أمرين: (1) خروج السعودية من دائرة النفوذ والتأثير في الأزمة السورية والشرق الأوسط؛ (2) دخول السعودية في متاهات وتعقيدات الأزمة اليمنية. والحل، من وجهة نظرنا، يكمن في مبادرة سياسية جريئة وشجاعة تقوم بها السعودية بإتجاه المصالحة مع إيران سينتج عنها حتماً، بقاء السعودية رقم أساسياً في معادلة الشرق الأوسط وشريكاً فعّالاً في المشروعات الإقتصادية والسياسية والأمنية.
الرؤيـة السعودية 2030 الإقتصادية هي بداية جديدة وجيدة، لكي تعبر من خلالها السعودية إلى فناء التحالفات السياسية الجديدة، فتطويع السياسة لخدمة الإقتصاد سيحقق الإستقرار والأمن، وليس العكس. الطموحات الكبيرة في رؤيـة 2030 التي تحدث عنها سمو ولي ولي العهد، وذكر أنها ستبتلع كل التحديات مثل البطالة والإسكان، تحتاج إلى خطوات سياسية جريئة وغير إعتيادية، لكي تتحقق الطموحات الإقتصادية. تعتمد الرؤيـة السعودية 2030 لكي يتحقق معظمها وتؤتي أُكلها، على سياسة خارجية تكون أقل حدة وأكثر هدوءاً، ومناخ سياسي ملائم وعلاقات إقليمية ودولية ممتازة. فمكونات الـرؤيـة مثل: نشاط الصندوق السيادي؛ وجذب الإستثمارات الخارجية؛ وتفعيل السياحة من الخارج؛ وربط القارات الثلاث؛ وتسويق المناطق الحرّة؛ والدخول في مشاريع الخصخصة؛ كلها تحتاج إلى شبكة مرنة من العلاقات الخارجية والسياسة البراغماتية الهادئة. فمثلما صاغت السعودية “برنامج التحوّل الوطني” بتكلفة (270) مليار في خمس سنوات، لتفعيل وتحسين الأداء الحكومي الداخلي، يمكن للسعودية صياغة “برنامج التحوّل السياسي” لتفعيل وتحسين السياسة الخارجية تجاه إيران والذي سيوفر على خزينة الدولة عشرة أضعاف حجم الإنفاق على التحوّل الوطني.
الخصومة السعودية مع إيران والصراع معها بحجج مختلفة سيزيد من تفاقم المشاكل السياسية والإقتصادية والأمنية. فإذا (1) قبِلنا الحجة بأن إيران تتصارع مع السعودية في اليمن والبحرين والعراق وسوريا ولبنان، سياسياً؛ وإذا (2) سلمنا بوهم أن إيران الشيعية تستعدي السعودية السنية وبلاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، طائفياً؛ وإذا (3) إقتنعنا بأسطورة أن إيران الفارسية تستهدف السعودية العربية وكل بلاد العرب، عرقياً. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: مالذي يمنع إيران أن تكمل مشروع الهيمنة الإيراني والتنغيص السياسي والطائفي والعرقي، بعد توقيع الإتفاق النووي، وبعد علاقات إيران المتطورة مع روسيا وتركيا، ومع إتفاق الحوثي وصالح وإنعقاد مجلس النواب في اليمن، ومع تزايد قوة وثقة وسيطرة الرئيس السوري، ومع تردد ومكر الإدارات الأمريكية؟ السؤال الذي يليه: في ظل هذه الحرب الباردة مع إيران، والتواجد الروسي، والمكر الأمريكي، والإحتقان الشرق أوسطي، كيف يمكن للسعودية أن تنفذ مشروعها الإقتصادي في رؤيـة 2030؟
بدا من الواضح أن الصراع في سوريا خرج عن مجال التحكم السياسي السعودي، وبدأ يستقر عند وجهة النظر الروسية والإيرانية السورية في: (1) أولوية محاربة الإرهاب (جميع التنظيمات)؛ (2) الشعب السوري هو من يقرر حكم البلاد؛ (3) المحافظة على وحدة الأراضي السورية. ونجادل بأن التأكيد على “وحدة الأراضي السورية” هي الجزرة التي تحملها روسيا وإيران لتركيا، وتعني عدم منح الأكراد في شمال سوريا وضع سيادي مستقل. هنا يتحد الثلاثي: روسيا وإيران وتركيا، في موضوع الأزمة السورية، وستتجه تركيا على مايبدو إلى تعويم الرسائل السياسية من أنقرة حول موقفها من الأزمة لكي لا تظهر منقلبة على الموقف السابق. لكن تركيا ستساعد في: قفل الحدود؛ وتخفيف أو إلغاء دعمها للمعارضة المسلحة؛ والدفع نحو الحل السياسي مع التخفيف من التعنت السابق؛ وزيادة التنسيق وتبادل المعلومات حول المعارضة (الإرهابيين)؛ وبأهمية خاصة، سيتشارك التحالف الثلاثي الجديد في ضرب داعش وجبهة النصرة (الفتح) وبقية التنظيمات. وهنا ستتحول داعش وبعض المنظمات الإرهابية إلى خارج سوريا بين ليبيا واليمن، مع نشاط لتلك الخلايا في الخليج وأوروبا.
عودة الوئام إلى العلاقات السعودية الإيرانية وإنشاء تحالف أو إتحاد بين الدولتين الجارتين، لم يعد رفاهية سياسية، بل ضرورة إستراتيجية تفرضها المتغيرات الدولية والإقليمية. وأكبر مثال على ذلك هو عودة العلاقات الروسية التركية بعد ما وصلت إلى أسوأ حالاتها عقِب إسقاط الطائرة الروسية، التي نتج عنها عقوبات وجفاء مرير، لكن الأحداث والمتغيرات حوّلت الخصومة إلى تفاهمات وزيارات متبادلة وتسريع في العلاقات على كافة الأصعدة والعمل على حل الخلافات السياسية حول مناطق النفوذ. ما حصل هو تطويع للسياسة لخدمة الإقتصاد الذي ينعكس على رغد ورفاهية الشعوب. وليس هناك من شك في أن كلاً من: الأمة الروسية والإيرانية والتركية، يملكون من الكبرياء والإعتزاز بالذات ما يمكن دولهم وحكوماتهم من المضي في العناد السياسي. لكن حاجة الدول الثلاث إلى تنشيط الإقتصاد أجبر قادة تلك الدول على الإرتقاء بسياستهم لما يخدم شعوبهم. كما نجادل أنه إذا إعتمد كل من: ڤلاديمير بوتين، ورجب طيب أردوغان، وحسن روحاني، على تنامي شعبيتهم الداخلية في تغيير جذري لسياستهم الخارجية، فإننا نجزم بأن السعودية جادة في تنشيط الإقتصاد، كما أن الملك سلمان يملك من الشعبية ما يمكّنه من القيام بمبادرة جريئة في السياسة الخارجية نحو إيران.
سيزعج التحوّل السعودي تجاه إيران، بكل تأكيد، الولايات المتحدة وبريطانيا. لكن لم يعد ممكناً لمن يملك الحد الأدنى من الذكاء السياسي أن يثق في الولايات المتحدة وبريطانيا وسياستهم في المنطقة. فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وأنتهاج الولايات المتحدة سياسة محاربة الإرهاب، غزت أمريكا أفغانستان ولازالت طالبان، وإحتلت العراق وأحالته إلى دولة فاشلة، وباعت أسلحة لدول المنطقة بتريليونات الدولارات بحجة الأمن، وأشعلت الفوضى في الشرق الأوسط، وساهمت في إسقاط الأنظمة، ودعمت محاولة الإنقلاب في تركيا، وأنشأت القاعدة حسب إعتراف هيلاري كلينتون سابقاً، وأنشأت داعش حسب إعتراف دونالد ترامب لاحقاً، وعم الإرهاب بشكل أعنف وأقوى دول المنطقة وأوروبا. هذا فضلاً عن أساليب رخيصة لإبتزاز السعودية، تبدأ ولا تنتهي عند إخفاء (28) صفحة لأكثر من عقد من الزمان. هذه هي أمريكا وهذه هي سياستها التي تعتمد على الخبث البريطاني في حياكة وحبك المؤامرات.
زيارة يقوم بها الملك سلمان إلى طهران، أو زيارة للرئيس روحاني إلى الرياض، ستصب على نار العداوة والبغضاء بين الدولتين الكثير من الماء، وسيكتشف الجميع أن نار الكراهية ليست سوى لهب في “قش” سياسي إعلامي، لا يلبث أن ينطفيء ويتلاشى ويهمد. الإعتداء على مبنى السفارة في طهران والقنصلية في مشهد، حدث يمكن لإيران أن تعتذر عنه، مثل ما إعتذر أردوغان عن إسقاط الطائرة الروسية. أما التجاوزات التي يعددها كل طرف على الآخر، فيمكن أن تتصاغر وتتقلص مع أول جلسة مغلقة. هنا تبقى المسائل السياسية حول الصراع القائم على النفوذ في ما يسمى “المجال الحيوي”، ونجزم بأن كل طرف سيقدم التنازلات اللازمة لأنها تعني بطرف ثالث ودول مستقلة ذات سيادة. قيام أي باحث محايد ومستقل بعملية حساب متواضعة للربح والخسارة في الصراع السياسي بين السعودية وإيران، سوف يكتشف من دون أدنى عنا، أن كلا الطرفين خاسر.
إنتهجت السعودية منذ تولي الملك سلمان مبدأ التفاعل مع القضايا السياسية بوسائل وأدوات مغايرة عن السابق وفي ذلك جوانب إيجابية وأخرى سلبية. لكن معيار التوازن يكمن في المتغيرات الدولية السياسية والإقتصادية والأمنية من ناحية، ومعيار النجاح يكمن في حسن قراءة تلك المتغيرات بما يعظم المنفعة الوطنية، من ناحية أخرى. العامل الإقتصادي الذي يفرض نفسه بقوة على العالم اليوم يؤثر على الأجندة الدولية، ويفرض تطويع السياسة لخدمة الإقتصاد. كما أن تنامي ظهور التنظيمات الإرهابية وتطويعها لخدمة أجندة بعض القوى العظمى يفرض تذليل السياسة لتجنب الإرهاب والوقوع في فخ القوى العظمى. ولذا، فإن إنسياق السعودية خلف وهم الإرهاب الأمريكي قد يكون فخ أكبر من قدرة السعودية على تفادي الوقوع فيه.
أخيراً، يقول الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد ووزير الدفاع السعودي، رداً على إمكانية نشوب حرب “مباشرة” بين السعودية وإيران: “هذا أمر لا نتوقعه مطلقاً، ومن يدفع بهذا الإتجاه ليس في كامل قواه العقلية، لأن الحرب بين السعودية وإيران تعني بداية كارثة كبرى في المنطقة، وسوف تنعكس بقوة على بقية العالم، وبالتأكيد لن نسمح بذلك.” (الإيكونوميست، 4 يناير 2016) حسناً، نجادل إذاً أن: الحروب بالوكالة، وسياسة عض الأصابع، ومرحلة اللاحرب واللاسلم، ستؤدي إلى: إستنزاف الموارد، وإزدياد حدة التوتر، وسباق للتسلّح، وطرد للإستثمارات، وتدمير للإقتصاد. السعودية بحاجة إلى إيران، والعكس صحيح، أكثر من أي وقت مضى. ختاماً، طرح رأي حول علاقة حسنة بين السعودية وإيران، ناهيك عن تقارب يصل مرحلة الإتحاد والتحالف، قد يبدو من المستحيلات أو رؤية مرفوضة في ظل الإحتقان السياسي والإعلامي الحاصل اليوم، لكن لا شيء مستحيل في السياسة، وستعلو أهداب الحكمة على أذيال الحقد، فالتفوق على الذات أعظم من وهم التفوق على الغير. حفظ الله الوطن.

كاتب سعودي

[email protected]

@Saudianalyst

التعليقات