كتاب 11

01:26 مساءً EET

كـذب الحكومة و”الأميـر”

الكذب رذيلة على مستوى الفرد، لكن يراه البعض، وسيلة بالنسبة للساسة والحكومات. الأكيد، أنه يندر أن يوجد سياسي أو حكومة في أي دولة في العالم لا يمارسون الكذب، سواء إتفقنا على تسمية ذلك كذب أو تجمل أو حيلة. وتتفاوت درجات ونوع وشكل الكذب من دول إلى دولة ومن مجتمع إلى آخر. المثير، أن الأنظمة الفاشية هي أقل كذب؛ يليها الأنظمة الديموقراطية؛ ثم الأنظمة الثيوقراطية (الدينية)، وهي الأكثر كذباً؛ أما الأنظمة “الثيموقراطية” – التي هي خليط بين الثيوقراطية والديموقراطية – فهي الأسوأ كذباً، فهي الأغبى كذباً، والأكثر مراوغة، والأعظم فساداً. ولكن يظل الكذب سمة من سمات كل الحكومات في سائر الدول والأنظمة. ومن خلال تتبع الكذب وتطوره في السياسة حاولنا نحت مصطلحات خاصة بالكذب تبعاً لكل نظام سياسي للتفريق بين أنواع الكذب السياسي. فمقولة “الغاية تبرر الوسيلة” باتت حقيقة سياسية لكل الساسة والحكام منذ القرن الخامس عشر عندما صاغ نيكولا ميكافيللي تلك المقولة أو النظرية في كتابه، الأكثر شيوعاً في عالم السياسة، “الأميـر”.
تكذب الحكومات لعدة أسباب أهمها: (1) الأخلاق؛ (2) القانون؛ (3) السلطة؛ و(4) العامة. ويختلف نوع الكذب ودرجته من مجتمع إلى أخر بحسب النظام السياسي، كما أن مدة الكذبة وصلاحيتها وقوة أو ضعف حبكتها يتنوع من مجتمع إلى أخر. لكن يبقى العامل الأخلاقي هو السبب الأكثر والأكبر وزناً في الدافع خلف كذب الساسة والحكومة، فكل نظام يحاول أن يوهم الداخل (العامة) أنه يستند لمنظومة أخلاقية رفيعة المستوى لتأكيد مصداقيته وبالتالي شرعيته ومشروعيته. وبالرغم من وجود وتطور القوانين التي تحرم وتجرم الكذب على الأفراد والمؤسسات والساسة والحكومات، إلا أن حب السلطة كغاية في حد ذاتها أوجد مبرر ولو غير معلن لأولئك الساسة لقوننة وشرعنة ومنهجة ومنطقة الكذب كوسيلة لتحقيق غاية. يبقى العامة أو الجمهور أو الدهماء هم المستهدفين من الكذب الذي يتشكل ويتطور بحسب سذاجة أو ثقافة أو وعي ذلك المواطن البسيط العادي الذي يشكل السواد الأعظم من الشعب.
أولاً، تتمتع الأنظمة الفاشية، التي عادة ما تخضع لرأي الفرد الواحد، وحكم الحزب الواحد، بميزة تنافسية مع الأنظمة الأخرى: الثيوقراطية والديموقراطية والثيموقراطية، بأنها أقل الأنظمة السياسية كذب. بسبب إنعدام أهمية رأي وفكر وتأثير المواطن البسيط العادي (الدهماء). فالحاكم هو الحكومة يحكم بما يشاء، قائماً على مفهوم محفور في الوعي الجمعي للعامة بأن الحاكم وحكومته وحوكمته الأحكم، وبالتالي فإن ما يراه الحاكم يجب أن يراه الشعب، لأنه الأفضل، فالغاية التي ينشدها الحاكم تبررها الوسيلة التي تتبعها الحكومة، وتبعاً لذلك، فلا داعي لزيادة جرعة الكذب والمراوغة من الساسة والحكومة في الأنظمة الفاشية. ويجادل بعض خبراء السياسة بأن الأنظمة الفاشية هي الأفضل لبعض المجتمعات، على الأقل في حقبة التأسيس و النمو. ويمكن لنا أن نسمي الكذب في هذه الأنظمة “الكذبوفاشية”.
ثانياً، الصورة في الأنظمة الثيوقراطية (الدينية) معكوسة تماماً. فالأنظمة التي تتخذ من الدين أساساً أو لباساً، يزداد ويتسع فيها الكذب، والأدهى من ذلك أنه يتم شرعنة وشرعية ومشروعية الكذب بمبررات دينية يمررها “الديني” لتخدم السياسي، تبعاً لعلو سقف الجانب الأخلاقي في الدين أو الديانة المتبعة لدى الفرد والعامة. يقول ميكافيلي: “أن الدين ضرورة للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتتمكن الحكومة من السيطرة على الناس”، فتحل القاعدة الشرعية “الضرورات تبيح المحظورات” محل “الغاية تبرر الوسيلة”، فكل ضرورة غاية، لكن ليس كل غاية ضرورة، مما يوسع ويشرّع الباب للسياسي لكي يكذب. من ناحية أخرى، يعتمد الدين في مجمله على منظومة من الأخلاق، تحدد الصالح والطالح، والحق والباطل. وترتبط بالعادات والأعراف والأنظمة والمنظومات الإجتماعية، المحلية غالباً. بمعنى أن دائرة الأخلاق تتسع وتضيق بين المحلي والدولي. هنا يدخل عنصر السياسة لكي يبعثر المنظومة الأخلاقية ويربكها. فالسياسة لا تعترف بـ “الأخلاق”، لأن السياسة حرب دائمة ومستدامة، والحرب تتطلب الخداع والمكر، وحينها يلج السياسي الكذاب من أوسع الأبواب، يساعد على ذلك “الديني” لكي يؤلف ويزاوج ويناغم لمصلحة السياسي، فتتوفر الوسيلة لتحقيق الغاية. ويمكن تسمية هذا النوع بـ “الكذبوشرعية”.
ثالثاً، تتعقد الأمور في الأنظمة الديموقراطية لعدة أسباب منها: (1) أهمية المواطن (الناخب)؛ (2) تطوّر حكم القانون؛ (3) تداول السلطة. لكن الكذب يظل موجوداً بحكم وجود العنصر الأخلاقي الذي يتطور أيضاً مع تطور الفرد. هنا يعمد الساسة إلى إنتهاج “الكذبوقراطية”، وهي قوننة ومنهجة ومنطقة الكذب. فتعمد الحكومات الديموقراطية إلى العديد من الوسائل للكذب بحجج مختلفة. فتنتهج الحكومة حجب الوثائق والمعلومات لمدة معلومة بحجة الأمن الوطني؛ كما تعمد الحكومات إلى حبك القصة (الكذبة) التي سيتم تسويقها للعامة قبل إطلاقها؛ ويعمد الساسة، أيضاً، إلى التركيز وإختيار المفردات والألفاظ التي لا توقعهم في براثن “الكذب” البواح قانونياً. ولذا يتم كشف الحقيقة في ثنايا الوثائق التي يتم الإفراج عنها بعد حقبة معينة، ويدرك العامة، بعد فوات الأوان، أن الساسة إستخدموا الكذب كوسيلة مثلى لتبرير غاية الساسة والحكومات، كما ذكر “الأمير”.
رابعاً، تفتضح الأنظمة “الثيموقراطية” أكثر من غيرها في “الكذب”، وهي الحكومات والأنظمة التي تخلط بين السياسة والدين وحكم الفرد بأسلوب ساذج وغبي. تحاول تلك الأنظمة أن تتماشى مع النزعة الديموقراطية وأهمها تسويق شعور عام بأهمية الفرد “المواطن” وإنتهاج الشفافية؛ لكن تلك الحكومات تضطر، في نفس الوقت وبنفس القدر، إلى الإبقاء على الدين للهيمنة والسيطرة على العامة بأمور غيبية، وتستعين بالكتمان على وأد الشفافية، إذ لا قيمة للفرد مطلقاً. فلا هي أنظمة فاشية، ولا هي ثيوقراطية، ولا هي ديموقراطية، ثم لا تلبث هذه الأنظمة “الثيموقراطية” أن تكذب كذباً ساذج وغبي، ينكشف فيه السياسي والحكومة مع أول هبة ريح من البحث والتدقيق. ويمكن أن نطلق على الكذب في هذه الأنظمة “الكذبوغبائية”. فهذه الأنظمة والحكومات تقوم على الغباء المركب: غباء في الدِين؛ وغباء في السياسة؛ وغباء في الكذب؛ وغباء في الحكم؛ وإستغباء للمحكوم. لكنها بكل سذاجة وغباء تعتمد، سراً لا جهراً، على مقولة الغاية تبرر الوسيلة، كما ورد في “الأمير”.
خامساً، من المهم جداً التنوية على أن الكذب تطور كثيراً بسبب ثلاثة أمور: (1)الإنتشار الإعلامي والمعرفي وإرتفاع مستوى الحفظ والتوثيق؛ (2) إرتفاع مستوى الوعي والمعرفة لدى العامة؛ (3) إزدياد القوانين الصارمة ضد الكذب السياسي نتيجة فضح تلك الممارسات. وبالرغم من هذا كله تستمر الحكومات تكذب. المثير للإهتمام، أن ظهور موقع “ويكيليكس” وشخصية مثيرة للجدل والإهتمام مثل “جوليان أسانج”، على سبيل المثال، أوقع الحكومة الأمريكية وكثير من الحكومات في العالم في مأزق، لأنه يكشف كذب الحكومات بالوثائق التي لا تحتمل الشك، قبل الأوان فقط. مع التأكيد على أن الإجراءات المضادة لإستمرار كذب الحكومات في النصف المتطور من العالم سيستمر. أما النصف المتخلف، فلا يهتم بما يظهر من وثائق تكشف الكذب، وتكتفي الدول والحكومات بحجب المعلومات قدر الإمكان، ومنع السياسي من التصريح والتحدث لأي سبب كان.
أخيراً، السياسة علم وفن ومكر لإدارة حاجات المجتمع، والأديان عبادة وأخلاق لتهذيب وتطويع الفرد. الجمع بين السياسة والدين أمر صعب وشبه مستحيل، كما يراه البعض، إلا بنبي أو رسول يستمد الوحي من السماء. فممارسة السياسة في الداخل سياسة دنيا Low Politics، وتعني بالإدارة ومن خلالها يتعاظم العنصر الأخلاقي ويصبح “الكذب” حينها رذيلة. أما ممارسة السياسة في الخارج فهي سياسة عليا High Politics وهي تدافع بين البشر وحرب كلها، بوسائل مختلفة تعتمد على المكر، ويتناقص فيها العنصر الإخلاقي، إلا ما توجبه منظومة القوانين الدولية المصادق عليها، وقد يصبح “الكذب” معها وسيلة. ختاماً، ما بين “الكذبوفاشية” و “الكذبوشرعية” و “الكذبوقراطية” و “الكذبوغبائية” ينقسم الساسة والحكومات بحجة أن “الغاية تبرر الوسيلة أو الرذيلة”، كما ورد جزئياً في كتاب “الأمير”.

كاتب سعودي

[email protected]

@Saudianalyst

التعليقات