كتاب 11

02:26 مساءً EET

ليت ولكن

وردني في البريد العام عرض نبيل من القارئ الكريم تراحيب عبد الله الرويس
يتطوّع بجمع مقالات «هوامش الأسفار» من أجل طبعها في كتاب. كان جوابي على
العرض من خلال البريد أيضًا أنه لا وسيلة أخرى لديّ. وقد أثار ذلك حفيظة الأخ
«أبو ياسر» من الرياض، الذي علّق بالقول إنني ما دُمت قد كسرت عادة عدم الرد
على القراء فإنها بداية حسنة.

ينقل مفيد فوزي عن أرملة الروائي الكبير يوسف إدريس قولها إنه برغم شهرته،
كان يطيب له سماع كلمات التقدير التي هي «للكاتب، مثل الشوكولاته للطفل»،
وليس هناك كاتب أكبر أو أقوى من هذه المشاعر، مهما حاول أن ينفي ذلك. وأنا
ضعيف، مثل، أو أكثر من غيري، حيال هذه الامتحانات الإنسانية. غير أنني من
مدرسة تؤمن بأن على الكاتب أن يجلس خلف مكتبه، كل يوم، ليؤدي واجب الكتابة
لجميع القراء وليس لفريق منهم مهما كان الإغراء شديدًا أحيانًا. وهناك مدرسة
أخرى كان من بين أساتذتها أحمد بهاء الدين الذي دأب خلال رئاسته تحرير
«الأهرام» على نشر الرسائل الآتية إليه، مرة من محافظ الإسكندرية، ومرة من
الذين يشكون المحافظ. وكنت أقول له إن الناس حول العالم العربي تسارع صباحًا
إلى «الأهرام» لكي تقرأ ما لديك عن أحوال الأمة، وأما الإسكندرية، فليست
سوى موضوع محلي جدًا. ناهيك بأن ذوي النوايا غير الحسنة سوف يقولون إن الملل
والجفاف قد أصابا كاتب مصر. وهناك فريق آخر سوف يقول إن الكاتب لم يجد من
يمدحه، فحمل أول رسالة وطار بها. وظل أحد ضحلي الأقلام يكتب رسائل الإعجاب
إلى نفسه، ويخترع قراء من مخيلته الهزيلة، إلى أن اكتشفت الجريدة أن رسائل
المديح بالمقالات تصل قبل صدورها، فطلبت منه – أو توسلت – أن يكف عن كتابة
المقالات والرسائل معًا.

علق قارئ في «النهار» على مقالة لي بالقول: «المقالات التي تتحدث عن الذات
لا تستحق القراءة». كم هو صحيح هذا الكلام. ولم يغفر لي أنني تحدثت عن
تجارب خاصة في معرض السرد لأحداث كبرى لم يكن دوري فيها سوى دوري أولاً
وأخيرًا: صحافي عادي ليس هو مركز الثقل في الكرة الأرضية.

أكتب هذا الكلام لتراحيب وأبو ياسر وكنعان شماس والقارئ الموريتاني الذي
دعاني إلى نواكشوط لحضور القمة، وناظر لطيف في العراق. وكم هي عظيمة هذه
المرحلة التي يدرك فيها الكاتب أن صحيفته تقرأ كل صباح في بنسلفانيا وبوينس
آيرس وفنزويلا والصين والغاط ودبي وبوليفيا.

هل لاحظتم الخلل في ذكر القراء الأحباء؟ لقد أغفلت، بغير قصد إطلاقًا،
كثيرين منهم. لا الذاكرة قادرة على الإعفاء من الخطأ ولا الوقت يسمح بتقسيم
العمل يوميًا بين عموم القراء وبين قارئ واحد مهما كان ما يطرحه مهمًا. وأهم
إطراء أو «شوكولاته» هو نوعية القراء الذين يتكبدون مشقة الكتابة والتعبير
ومستواه الثقافي والمعرفي. ومنذ سنوات توقف عن مراسلة البريد قارئ في
السنغال كنت أرى في رسائله المرموقة وعدًا بولادة كاتب غزير الموهبة
والثقافة معًا.

أعتذر عن عدم الاقتناع بتحويل الزاوية إلى مسألة شخصية يومية. وأعتذر عن أي
مكان ورد فيه ذكر الذات بعيدًا عن فرض التواضع، أو الحقيقة. ويسامحني الذين
أبحث عن ألواح الشوكولاته كل يوم، وأحيانًا كل ساعة، على هذه المكابرة
المهينة، ضنًا بمهنتي واحترامًا لما يمثلون بالنسبة إليّ

التعليقات