كتاب 11

12:53 مساءً EET

روسيا في إيران..ماذا يعني؟

سمحت إيران لروسيا بإستخدام قاعدة همدان الجوية لإنطلاق قاذفات القنابل الأضخم في العالم لمهمتين رئيسيتين: محاربة الإرهاب؛ والأزمات الطارئة. خطوة كهذه هي تحوّل نوعي وإستراتيجي في الشرق الأوسط له مئالاته الإستراتيجية والجيوسياسية والعسكرية. ونجادل بأن مثل هذا التحوّل لم يكن ليتم لولا إتفاق تم إبرامه بين الولايات المتحدة وروسيا. كما نجادل بأن التواجد العسكري الروسي في إيران ليس مقتصراً على الأزمة في سوريا، ومحاربة الإرهابيين على الأراضي السورية، بل سيمتد ربما إلى العراق، وبالتأكيد إلى اليمن وليبيا، وربما أفغانستان، مما يعني برنامج إحلال ومشروع تبادلي بين أمريكا وروسيا. ولا غرابة أو مبالغة إذا ما تنبئنا بأن هذه الخطوة مقدمة لتحوّل سياسي سيشمل دول الجزيرة العربية وربما شمالها بمحاذاة العراق والأردن.

بررت وزارة الدفاع الروسية إنطلاق القاذفات الروسية (T22 M3) من قاعدة همدان، وليس من جمهورية “أوسيتا” المقر الرئيسي للقاذفات، بأنه بسبب قرب همدان من مناطق النزاع في سوريا، وأنها بذلك توفر (٦٠٪‏) من الوقت، مما يوفر في كمية وقود القاذفات التي تصل حمولتها إلى (٥٠) طن، مما يمنحها قدرة على حمل المزيد من القنابل. كما أن قاعدة “حميميم” الجوية ليست مجهزة لإستقبال هذا النوع من الطائرات. حسناً، يتزامن التواجد العسكري الروسي في إيران، مع طلب للسماح لصواريخ “كاليبر المجنحة” والمعروفة بدقتها لعبور الفضاء الإيراني والعراقي، وإجراء مناورات في بحر قزوين والمتوسط. المثير، أن كل هذه الإجراءات تتم بالتزامن مع تصريح “غوان بوفي” مدير مكتب التعاون الدولي في اللجنة العسكرية الصينية، بأن بكين تعرب عن رغبتها في تعزيز التعاون العسكري مع دمشق.
تسارع التطورات الدراماتيكية في الشرق الأوسط؛ وتحالف الأضداد؛ وتغير المواقف للدول الإقليمية الكبرى مثل تركيا وإيران؛ ونشر صواريخ (S400) في جزيرة القرم؛ وصمت الإدارة الأمريكية أو ميوعة التصريحات؛ والإتصالات شبه اليومية بين لاڤروڤ وكيري؛ والسيناريو التركي الذي يتكون من (٣) مراحل للحل في سوريا؛ وإجتماع نائب وزير الخارجية الروسي مع المعارضة في الدوحة؛ وتعقيدات الموقف العسكري في اليمن؛ وتكثيف الهجمات على المناطق الجنوبية للسعودية؛ ونقل أسرى من غوانتنامو الى الإمارات؛ وإشتداد المعارك في ليبيا؛ يوحي بعمليات تتعدى الطابع العسكري لمحاربة داعش أو جبهة النصرة او تحرير حلب في المسرح السوري.
سماح إيران لطائرات عسكرية إستراتيجية أجنبية لأول مرة في تاريخها منذ إندلاع الثورة الإسلامية، خطوة أعمق وأبعد من الحرب على الأرهاب برمته. وهنا نتوقف عند عبارة “الأزمات الطارئة” التي صاحبت “الحرب على الإرهاب” في تبرير موسكو وطهران لوجود وإنطلاق القاذفات الروسية من قاعدة همدان. نتساءل: عن أي نوع من الأزمات تتحدث كل من موسكو وطهران؟ وماهو الطاريء ومتى ستتطرأ؟ هل نحن أمام مفاجأة ستحدث على المسرح اليمني؟ هل سيصار إلى فصل الجنوب عن الشمال في اليمن؟ هل سيعزل شمال اليمن حسب الإتفاق السياسي بين علي عبدالله صالح والحوثيين ويترك للإضطراب والفوضى والحرب الأهلية؟ والأهم، هل ستصبح السعودية خارج اللعبة في اليمن، كما أصبحت خارج اللعبة في سوريا؟
تبقى على حسم الإنتخابات الأمريكية وتولي الإدارة الجديدة ما يقارب (٥) أشهر، وبقياس التسارع الذي تمت به الأحداث وإدارة روسيا لتلك الأحداث، فيتوقع الكثير مما يمكن فعله وإنجازه خلال المدة المتبقية لقطع الطريق على الإدارة الأمريكية والطاقم الجديد في البيت الأبيض. ويتوقع بعض الخبراء أن تتسم قمة العشرين المقبلة التي ستعقد في مدينة “هانغشتو” الصينية بين 4 و 5 سبتمبر بجدل كبير مع الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي التي تعاني من قضايا في المال والنقد والإقتصاد يختفي كثير منها تحت السطح. وبناء على ذلك يتوقع أن تقوم روسيا وحلفاءها في الشرق الأوسط بإعداد الترتيبات لشرق أوسط جديد بنكهة وهيمنة روسية مع منح إيران نصيب الأسد في زعامة المنطقة مع كل مايتبع ذلك من نفوذ في كافة النواحي السياسية والإقتصادية والعسكرية.
أخيراً، أطلقنا ساعة إعلان خبر نشر قاذفات روسية في قواعد إيرانية تغريدة تقول: “هل هو تغيير في قواعد اللعبة، أم في لعبة القواعد؟”. وإعتبرنا في تغريدة ثانية أن “الخطوة الروسية في نشر قاذفات في قواعد إيرانية، أكبر من الثورة الخمينية؛ وسقوط الإتحاد السوڤيتي؛ وإحتلال العراق، مجتمعة”. البعض إعتبر في ذلك مبالغة وتهويل، ونجادل أن تأمل الخبر أمام خرائط الجغرافيا وصفحات التاريخ، كفيل بأن يقرع أجراس الأنذار. ختاماً، هذه قراءة إبتدائية ورؤية أولية للقرار الروسي/ الإيراني، لكن المؤكد، أن السعودية ودول الخليج في موقف إستراتيجي غير واضح، وغير مطمئن، ولا يدعو إلى التفاؤل، ونتمنى أن تكون قرائتنا ورؤيتنا خاطئة. حفظ الله الوطن.

كاتب سعودي

[email protected]

@Saudianalyst

التعليقات