كتاب 11

02:55 مساءً EET

منح توفيق السيف قلادة الملك عبد العزيز

أقترح منح المواطن والمثقف والمفكر الدكتور توفيق السيف قلادة الملك عبدالعزيز للمواطنة الحقيقية والمثالية. فهو المجاهد والمناضل الذي يعمل بفكره وبعلمه على تثبيت الوحدة الوطنية في حقبة سعودية كثر فيها التطرف والإقصاء لأبناء الشعب الواحد والوطن المشترك. وإذا كان الملك عبدالعزيز، رحمه الله، ناضل (30) عاماً 1902-1932 لتوحيد السعودية وبناء دولة مدنية حديثة، وجاهد أبناءه سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله، رحمهم الله، ويتفانى الملك سلمان، وولي عهده، وولي ولي العهد، حفظهم الله جميعاً، في الحفاظ على وحدة الوطن لكي يكون واحة مشتركة للجميع، فإن تكريم مواطن سعودي مثل د. توفيق السيف بأرفع وسام سعودي للمواطنة، هو رمز ورسالة ذات أبعاد إيجابية كبيرة وكثيرة.
يعيش البعض في المجتمع السعودي إضطراب في مفهوم المواطنة بسبب أحداث أمنية أو سياسية، حتى يصل الأمر إلى المفكر الدكتور توفيق السيف، الذي يجاهد جهاداً مريراً في تصحيح كثير من تلك المفاهيم المغلوطة والمخلوطة بثقافة أقل ما يقال عنها أنها من بقايا الجاهلية. فعندما تطرأ أحداث أمنية في “العوامية”، تتجه الشتائم نحو توفيق؛وعندما يتم تفجير مسجد أو حسينية، يتابع الجميع ما يصدر عن توفيق؛ وعندما يصوب الحوثيين قذائفهم العابرة للحدود، يتصوب القذف بإتجاه توفيق؛ وعندما تتعقد أزمة اليمن تتأزم العلاقة مع توفيق، وعلى ذلك يمكن القياس في أحداث البحرين، والعراق، وسوريا، وعلى رأس القائمة الخلاف السياسي بين السعودية وإيران. كل ذلك والدكتور توفيق السيف، أعانه الله، هو حائط الصد الذي تمر من فوقه ومن تحته ومن بين يديه وتتكسر عليه كل تلك التراشقات التي ليس له فيها ناقة ولا جمل. ومع هذا كله يظل توفيق السيف المواطن الصالح الذي يكتنز الكثير من السمات الإنسانية، ونظن أن لسان حاله يقول: “اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون”.
ليس لتوفيق السيف من ذنب سوى أنه مواطن سعودي مثقف ومتعلم ومتكلم ومتحدث، وفوق ذلك كله مفكر من الطراز الأول. لكنه من الطائفة الشيعية، ويسكن في شرق السعودية، مثله مثل مئات الألاف من أخواننا وأخواتنا وأحبائنا الشيعة الذين يسكنون تلك الأرض منذ ألاف السنين. دخلوا تحت مظلة الحكم السعودي بكل سلام ومن دون أي حروب أو مواجهات مع المؤسس، وساهموا في بناء هذا الوطن ويعملون بجد، لا يستنكفون من مهنة أو صنعة، بل يجيدونها ويتقنون كل مايعملون. فئة منهم كانت ولا زالت تطالب ببعض الحقوق، وهذا أمر مشروع لدى الحكومة التي لا ترفض تلك المطالبات حتى ولو لم تتحقق. لكن الحكومة ترفض رفضاً قاطعاً من أي منهم، كما هو الحال مع أي مواطن في كافة المناطق بصرف النظر عن جنسه أو لونه أو مذهبه أو عائلته أو فصيلته التي تأويه. وليس مقبول من أي فرد أي تمرد أو عصيان أو خروج على القانون والنظام. صحيح أنه حدثت تجاوزات من بعض الشيعة، تماماً مثل ما حدث تجاوزات من بعض السنة، لكن السلطات الأمنية وقفت للجميع بالمرصاد.
يتمتع توفيق السيف بخصال كثيرة، مثله مثل كثير من المواطنين الأحرار. لكن السيف يتفوق في التسامح، وهو مفهوم حضاري عميق، لا يمكن أن يبرز ويتجلى إلا في مجتمع تقليدي كالسعودية، وخصوصاً في هذه الحقبة السياسية والأمنية بإمتياز. التسامح نعمة من نعم الله سبحانه يهبها لمن يشاء من عباده، ويرتكز التسامح على حسن البصيرة، وعمق الفكر، وسعة الأفق. لا تكتمل إنسانية الفرد، من وجهة نظرنا، إلا إذا كان متسامحاً. التسامح يعني الإنسانية، والعكس صحيح. من الممكن أن لا نحب شكل توفيق السيف، ولا نتفق مع رأيه، ولا نعجب بأفكاره، ولا نؤمن بمنهجه، ولا نتبع مذهبه، لكن لا يمكن لفرد عاقل إنسان، إلا أن يحترم هذا المواطن السعودي توفيق السيف، لما يتمتع به من حسن الخلق مع من يتفقون معه، ومن يخالفونه أو يستعدونه، أيضاً. أليس هذا هو المنهج الإسلامي الصحيح والقويم؟
تكمن صلابة الموقف، وروح المواطنة وتجسيدها في توفيق السيف أنه يتلقى التخوين والتشكيك والتصنيف والتشويش بشكل مستمر من فئة محدودة العدد تملك أجندة خفية، يظهر منها العنصرية والطائفية والتكفير والإقصاء، وبالرغم من محدودية تلك الفئة إلا أنهم يتسيدون الساحات العامة في “تويتر”، الذي بات أشبه ما يكون بركن الخطابة في حديقة هايدبارك اللندنية. يتراوح عدد المتابعين لتلك الفئة من (100) ألف ليصل بعضهم إلى أرقام مليونية. يجيد أولئك مهنة الإستفزاز، والتعليق، والتغريد. كل ما يحتاجه الأمر، هو تأطير تغريدة لتوفيق السيف أو لغيره، ثم التعليق عليها بصياغات خبيثة وحروف معدودة، ثم الضغط على “ريتويت”. هنا يشتعل تويتر وكثير من المتابعين الذي أسلموا فكرهم لتلك الشخصية التويترية. لا يجرؤ أي من تلك الفئة المحدودة أن يحاجج الدكتور توفيق السيف في رأيه ويجادل بالتي هي أحسن. لماذا؟ لأنهم أقل منه ثقافة وعلم وفكر وحجة، وبالتأكيد، هم أقل منه وطنية وحرصاً على الوطن.
يكتب د. توفيق السيف مقال أسبوعي في أشهر صحيفة سعودية (الشرق الأوسط)، وهو مقروء على مستوى العالم العربي، وله مؤلفات عديدة، لكن حظه في موطنه السعودية لا يزيد عن حظ من سبقوه من السعوديين العظام من أمثال غازي القصيبي، رحمه الله، وكثير غيره الذين تمت محاربتهم وتخوينهم وتصنيفهم والتشكيك بهم من فئات محدودة في المجتمع السعودي، مع كل أسف. المثل القائل “زامر الحي لا يطرب”، والعبارة الإنجيلية “لا كرامة لنبي في أرضه”، وغيرها مما يماثلها في الثقافة العالمية، لازالت مطبقة على أرض الواقع، وخصوصاً عند العرب، ولم تنتهي صلاحيتها. يقول أحمد زويل العالم المصري العربي، الذي رحل عنا قبل أيام، رحمه الله، الحاصل على جائزة الملك فيصل، وجائزة نوبل: “الغرب ليسوا عباقرة ونحن أغبياء!! هم فقط يدعمون الفاشل: حتى ينجح! ونحن نحارب الناجح: حتى يفشل!”. هذا ما تبتغيه تلك الفئة القليلة في المجتمع السعودي للناجحين وتوفيق السيف منهم. أولئك الذين يقول عنهم القصيبي: يؤذي نفوسهم أن ينجح الآخرون”. لكن توفيق السيف لا يذب الفشل عن نفسه فقط، بل يجاهد لكي ينجح الوطن بأكمله.
أخيراً، السعودية وطن يتسع للجميع ولا يضيق إلا على أصحاب الفكر الضيق، والدين الضيق. والصدر الضيق، يقول الحق سبحانه: ” فمن يُرِيد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون” (الأية 125، الأَنْعَام). أما المواطن والمفكر الدكتور توفيق السيف فهو هامة وهمة، وقامة وقيمة، تضاف إلى أمثاله من السعوديين لا فرق بين سني وشيعي، وقدر توفيق أن يكون سعودياً، وأن يكون شيعياً، وأن يكون مثقفاً، وأن يكون مواطناً صالحاً. يقول غازي القصيبي: قدري ما صنعته بيدي*** قدري صاغه العلي الجليل. ختاماً، وّحد الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، هذه البلاد ليس لكي يعبث بوحدتها حفنة من الجهلة المدّعين والمتطرفين والإقصائيين، بل لتتحد وتتسع للجميع، فليس أقل من تكريم رمزي لتوفيق السيف بمنحه قلادة الموّحد، حتى ولو كره الجاهلون. حفظ الله الوطن.
كاتب سعودي

[email protected]

@Saudianalyst

التعليقات