كتاب 11

12:38 مساءً EET

الحلقة المفقودة في السياسة الخارجية السعودية

نجادل بأن الإعلام أو التأثير على الرأي هو الحلقة الأضعف أو المفقودة في السياسة الخارجية السعودية، مما أبقى على صورة السعودية مشوهه، وأضعف من قوتها كدولة مدنية حديثة ومحورية في الشرق الأوسط. شهرة السعودية على مستوى العالم كقبلة للمسلمين من كافة أنحاء العالم، يمنحها بُعداً مركزياً دينياً في عالم لا ديني، مما يختزل صورتها إلى أشبه ما يكون بدولة “الڤاتيكان”. كما أن شهرة السعودية على مستوى العالم في مجال النفط يقلص صورتها إلى أشبه ما يكون بدولة “قطر” في الغاز. لكن السعودية أعظم من الڤاتيكان، وأكبر من قطر، وليست مجرد حقل أو شركة نفط، بل دولة مدنية حديثة تطمح إلى بناء حضارة إنسانية تستقر في التاريخ. ولذا فإن معالجة الصورة السعودية في الخارج بتقوية الإعلام والتعامل معه بجدية، لم يعد رفاهية، بل ضرورة قصوى بحاجة إلى إستراتيجية محكمة.
يجادل إدوارد كار، أحد رواد العلوم السياسية، في كتابه “أزمة العشرين عام”، أن هناك ثلاثة عناصر لقوة الدولة “غير منفصلة” Indivisible : القوة الإقتصادية؛ والقوة العسكرية؛ وقوة التأثير على الرأي (الإعلام). فالسعودية تملك قوة نسبية متكافئة مع حجمها في الإقتصاد، وتملك قوة عسكرية مناسبة لسياستها، لكنها لا تملك قوة تتناسب مع حجمها وطموحاتها في التأثير على الرأي في عالم المعلومة والإعلام الذي أضحى قرية كونية في حقبة التسارع المذهل. فقد يكون هناك محاولات وجهد ومال ينفق لبلوغ تلك الغاية، لكن السعودية فشلت أو لم تنجح بكل تأكيد في بلوغ المكانة والقوة في التأثير على الرأي بحيث تمنع تشوهّات الصورة السعودية في الخارج.
يحكي غازي القصيبي، رحمه الله، في حديث عن هذا الموضوع عندما كان سفير السعودية في بريطانيا، أن السعودية  فقدت واحد من أهم عناصر التأثير في مجتمعات الغرب والشرق لفقدانها خاصية “الأصدقاء”. فمعظم أصدقاء السعودية، على حسب رأي القصيبي، هم أما موظف سابق في شركة أرامكو، أو دبلوماسي أو تاجر أو رحّالة أو كاتب، كلهم بلغوا من الكبر عتيّا. ولم تتمكن السعودية من بناء برنامج واستراتيجية لتكوين الأصدقاء خلال نصف قرن مضى، بالرغم من ثلاث فرص ذهبية: (1) ملايين البشر الذين قدموا للحج أو العمرة أو الزيارة؛ (2) مئات الألاف من الطلبة والطالبات في برامج الإبتعاث؛ (3) ملايين الكفاءات التي عملت في السعودية. فقد تم تقليص مكوث الحاج أو المعتمر أو الزائر إلى أقصر وقت ممكن وكأنه حمل ثقيل؛ وتم تقييد ومراقبة نشاطات المبتعثين أما بداعي الحذر أو الخوف منهم أو عليهم؛ كما أن معاملة العمالة الوافدة من كل الطبقات في السعودية لم تكن ودودة في الغالب.
دخلت السعودية منذ تولي الملك سلمان تحوّلاً جديداً في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية بحكم المستجدات في المنطقة والعالم، ولم يصاحب ذلك التحوّل خطة للتعامل مع الإعلام في الخارج. فقد دخلت السعودية حروب وتحالفات عسكرية وأبرمت إتفاقيات ثنائية عديدة في مجالات إستراتيجية وإقتصادية وثقافية وعلمية. لكن الصورة السعودية لا زالت تراوح بين التطرف والنفط، ولا ذكر لقضايا كثيرة للجوانب الإنسانية المتعددة. حتى رؤية 2030 ذات البعد الإقتصادي والإجتماعي التي تم إطلاقها، لم تثير سوى عاصفة من التصفيق وزوبعة في الداخل فقط، لتحاكي المحلي الذي لا ينقصه الولاء أو الإنتماء. أما الإعلام في الخارج فاقتصر على مصدرين تقريباً: الإيكونوميست؛ وبلومبيرغ، وإنحصر في التركيز على موضوع بيع حصة من أرامكو. ثم سكنت عاصفة التصفيق، وهدأت زوبعة الرؤية، وهنا عادت قضايا الإرهاب والتطرف تطفو على السطح الإعلامي، ومعها الحرب في اليمن من جانبها الإنساني بضغط من المنظمات الدولية.
عوداً إلى الحلقة المفقودة، الإعلام، فقد غلب الحذر والصمت وعدم النشاط على معظم ممثليات السعودية في الخارج، فكان الإنزواء السمة العامة والوصف الصادق لمعظم السفراء والقناصل السعوديين في الخارج. فالسفير وحاشيته يحذرون الإعلام والصحافة لثلاثة أسباب: (1) غير مصرح لهم من وزارة الخارجية بالحديث أو التعليق على الأحداث التي تعتبر السعودية طرفاً أو مؤثراً فيها؛ (2) عدم معرفتهم أو قدرتهم على التعامل والحديث إلى الصحافة والإعلام؛ (3) الإكتفاء بالتعامل مع حكومات الدول في الخارج وإهمال الرأي العام. الأسباب الثلاثة وغيرها خلقت فجوة أو هوة سحيقة بين الممثلية السعودية والإعلام، فعمد الإعلام في الخارج إلى ملء ذلك الفراغ بشتى الطرق حتى لو إفتقر بعضها إلى المعلومة الصحيحة. من ناحية أخرى، يتحاشى أي سفير سعودي وحاشيته تلبية كثير من الدعوات الإعلامية والمناسبات العامة كل ذلك حذر من الصحافة والإعلام.
يندر أن تقيم السفارات السعودية مناسبات خاصة للإعلاميين والصحفيين ومراكز الأبحاث، ويتم الإكتفاء بمناسبة اليوم الوطني التي يدعى إليها الجميع ومن ضمنهم الإعلام ولكن إنتقائياً. فكل سفارة تصنف الإعلام والكتاب في الدول التي يعملون فيها، بحسب موالاة أو معارضة مقالاتهم وما يكتبونه عن السعودية، مما زاد من قائمة الكتاب الذين يعارضون السعودية، لا لخلل في سياستها، بل لفقدان التواصل وجهل السفارة والسفير وقبل ذلك الوزارة والوزير في الخارجية بمفهوم الإعلام والصحافة في الدول الديموقراطية المؤثرة. حتى في الدول العربية فالوضع ليس أحسن حالاً من أوروبا أو أمريكا أو اليابان أو بقية العالم. ولو أخذنا مصر أكبر دولة عربية والأنشط إعلامياً، على سبيل المثال، لوجدنا أن التعامل مع الصحافة والإعلام والإعلاميين هناك هو الأسوأ على الإطلاق. الفكر الإنزوائي والحذر والخوف وعدم القدرة على التحدث واللباقة واللياقة مع الإعلام والإعلاميين شبه منعدمة وفيها قدر كبير من الإستعلاء.
يرى البعض أن جزءاً من المشكلة يكمن في تقاذف المسئولية بين وزارة الخارجية ووزارة الثقافة والإعلام. المسمى يراه البعض يرتبط بالتخصص، فالإعلام من مهمة وزارة الثقافة والإعلام ولذا يجب أن تكون مسئولة عن الصورة السعودية في الخارج. وهناك من يخالف ذلك، بأن المسئولية مختلفة عن المساءلة. صحيح أن الإعلام علم وفن و”مسئولية” Responsibility وزارة الثقافة والإعلام، لكن وزارة الخارجية، في المقابل، معنية بحكم”المساءلة”Accountability في النتيجة. مالم يتم حل هذه الإزدواجية والإشكالية بين المسئولية والمساءلة، فستبقى صورة السعودية في الخارج مشوشة ومغلوطة ولا تتناسب مع السعودية الدولة المدنية الحديثة.
إعتماد السعودية على شركات علاقات عامة سعودية أو أجنبية، أو إستكتاب صحفيين عرب أو مستعربين من الدرجة العاشرة،  لن يحل هذا الأمر، بل يزيد الطين بلة. فذلك كمن إستأجر مرتزقة للدفاع عن وطنه. وحتى ماظهر مؤخراً، من نشاط لشباب حديثي الخبرة والعلم في السياسة والعلاقات الدولية، لا يعدو كونه نشاط بدائي أشبه ما يكون بصحف الحائط المدرسية. فقد سبق أن حاولت تركيا في منتصف التسعينات إعتماد شركات العلاقات العامة التركية والأوروبية ومزجت بينها، وأنفقت قرابة (٤٠٠) مليون جنيه إسترليني حينذاك، لتحسين صورتها لكي تتمكن من الإنضمام الى الإتحاد الأوروبي. ثم ماذا؟ ذهب الجهد والوقت والمال هباء منثورا. مما يعني أهمية أن تستوعب وزارة الخارجية حجم المشكل وتعمل على تدعيم قوة التأثير على الرأي من خلال كوادرها البشرية في (١٢٣) بعثة دبلوماسية، وقبل ذلك إصلاح مفهوم التعامل مع الإعلام لدى الوزارة.
أخيراً، لا يكفي أن يكون لدى السعودية وزير خارجية متحدث ولبق، وكأن “ليس في هذا البلد إلا هذا الولد”، فالسعودية تحتاج إلى أن يكون كامل طواقم البعثات الدبلوماسية مثل، عادل الجبير وعبدالله المعلمي. كما لا يكفي أن تقتصر وزارة الخارجية على طاقم لا يزيد عن أصابع اليدين في ما يسمى الدائرة الإعلامية بوزارة الخارجية. ختاماً، إنعدام قوة التأثير على الرأي، لا يجعل من الصورة السعودية في الخارج مشوشة ومغلوطة فقط، بل يؤثر على تكامل عناصر قوة الدولة السعودية المدنية الحديثة. حفظ الله الوطن.
كاتب سعودي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات