كتاب 11

12:52 مساءً EET

المحاورون.. رجال أميركا العرب

بتاريخ 29 يوليو (تموز) عقد الجنرال جوزيف فوتيل قائد القوات الأميركية المركزية مؤتمرا صحافيا في مركز أسبن للأبحاث، وأدلى بتصريحات نقلتها وسائل الإعلام «أنه يخشى من (التأثير المحتمل) لحملات التطهير الجارية في الجيش التركي على العلاقات بين واشنطن وأفراد في القيادة العسكرية التركية»، وردا على سؤال عما إذا كان بعض «محاوري واشنطن» في الجيش التركي موقوفين على حدّ علمه، قال: «أجل أعتقد أن بعضهم في السجن».
منذ محاولة الانقلاب التركي الفاشلة سرحت تركيا أكثر من 83 ألفا من وظائفهم وفصلت 3725 عسكريا، وقبضت على أكثر 180 قائدا عسكريا من قيادات الدرجة الأولى، كثير منهم ربما لم يشاركوا في الانقلاب بشكل مباشر، كثير من هؤلاء يندرجون تحت مسمى (المحاورين).
فلأميركا دائما (رجال) داخل كل نظام حليف، عربيا كان أو غير عربي، هم ليسوا أميركيين، بل أبناء البلد الحليف، وليسوا في الجيش فحسب، بل في قطاعات متعددة مفصلية تعتمد عليهم الولايات المتحدة في (تقريب) وجهات النظر والتفاهم بينها وبين البلد الحليف، هؤلاء من أطلق عليهم الجنرال فوتيل «محاوري واشنطن» هم من أدركت تركيا أن خطرهم على أمنها القومي لا يقل عن خطر الانقلابيين أنفسهم.
تعود بنا الذاكرة للمخاوف التركية من الحليف الأميركي إلى يوليو من عام 2006 حين نشرت مجلة القوات المسلحة الأميركية مقالا للنائب السابق لرئيس هيئة الأركان رالف بيترز عنوانه «حدود الدم» دعا فيه إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، واعتراض رئيس هيئة الأركان التركي حين ذاك على وجود دولة كردية على حدود تركيا الجنوبية في تلك الخريطة، ورغم نفي الإدارة الأميركية اعتمادها لهذه الخريطة، فإن تسليحها للبيشمركة الكردية في الأعوام الأخيرة بحجة محاربة «داعش» لهو أكبر دليل على تشجيعها الأكراد على بناء دولتهم، كما رسمها رالف بيترز قبل عشرة أعوام.
بموقفها من الانقلاب العسكري وبموقفها من تسليح الأكراد، انهار الحلف الأقوى للولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعد إسرائيل، فتركيا اليوم تجتث من مفاصلها العسكرية والمدنية كل مشتبه بكونه «محاورا لواشنطن» جنبا إلى جنب مع كل منتم لجماعة غولن، فخطرهم على الأمن القومي التركي لا يقل عن خطر الانقلابيين.
الولايات المتحدة الآن في أسوأ حالات تخبطها وهي حالة مخيفة مهددة للأمن العالمي، تسببت في زلازل أمنية وسياسية في المنطقة، تحالفاتها تنهار الواحد تلو الآخر، خسرت تركيا كما أغضبت قبلها مصر والسعودية، بنت استراتيجيتها الفاشلة على معطيات تقر الآن أنها كانت خاطئة، وبعد كل الدمار الذي ألحقته بمنطقتنا لتقول (أوبس) كنت مخطئة!! «فالملكيات العربية في دول مجلس التعاون ملكيات متماسكة، على عكس ما كنا نظن» تحالفاتها الجديدة التي باعت بها حلفاءها القدامى بنيت على توصيات أوهمتها أن الأنظمة العربية الراهنة آيلة للسقوط، فجاءت تلك العبارة ملخصا لأهم النتائج التي خرجت بها دراسة مؤسسة «راند» هذا العام، وبين هذا الاستنتاج الأخير الذي تقر فيه راند بخطئها، والاستنتاج السابق الذي قدمه لوران موريس الخبير الاستراتيجي في ذات المؤسسة في اجتماع في البنتاغون عام 2002 ونصح فيه بإسقاط بعض الأنظمة في المنطقة، مرت أربعة عشر عاما جرت فيها دماء لا مياه تحت الجسور الخليجية الأميركية، قضت فيها واشنطن على آخر جسور للثقة عام 2011.
مؤتمر لندن الذي نظمه زلماي خليل زاد في ديسمبر (كانون الأول) 2002 نقطة فارقة في التعاون الأمني السياسي مع (الانقلابيين) في المنطقة العربية صنعت الولايات المتحدة فيه أدواتها لتنفيذ تلك التوصيات وأبرزهم «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» و«حزب الدعوة» في العراق، توثقت بعدها العلاقات الأميركية بحزب الدعوة البحريني، وأصبح دفاعها عن بعض الشيعية الراديكاليين في السعودية والبحرين نقطة فارقة في سياستها، ما نلفت الانتباه له أن لكل هذه الأدوات توجد مجموعة من (المحاورين) داخل الأنظمة الخليجية، وظيفتهم تقريب وجهات النظر بين دولتهم والولايات المتحدة، ساهموا بتمدد نفوذ الانقلابيين في الخليج الذين انقلبوا على الدستور وعلى الشرعية، مثلما ساهموا بتمدد نفوذ الانقلابيين الأتراك، شكل المحاورون مظلة لهؤلاء الانقلابيين منذ عام 2002 وربما حتى اللحظة بحجة أنهم (رجال أميركا).
بقي أن نعرف أن تكملة مقالة «حدود الدم» التي أثارت حفيظة رئيس هيئة الأركان التركي لم تقف عند الدعوة لتأسيس الدولة الكردية، بل تضمنت الدعوة لتأسيس دولة شيعية في شرق الجزيرة العربية، وهي ذات التوصية التي قدمتها الكثير من بيوت الاستشارة قبل عشر سنوات، ومنها ستراتفور ومعهد هاديسون ونفت الإدارات الأميركية الأخذ بها.
أما آن لنا بعد الدور الأميركي فيما سمي (الخريف العربي) ومحاولة إسقاط أنظمتنا وتمكين (رجال) إيران في دولنا، أن ننتبه إلى خطر وجود (رجال أميركا) في المفاصل الحساسة في دولنا الخليجية، مثلما انتبهنا (لرجال إيران)؟ فاز الديمقراطيون أم الجمهوريون، فإن سياسة التخبط الأميركية الأمنية ستظل تشكل خطرا أمنيا على استقرارنا لسنوات قادمة يجب التنبه له مبكرا، وكما حمينا أمننا من الجماعات الإرهابية، علينا أن نحميه أيضا من «المحاورين» فخطرهم باقٍ، طالما بقيت خريطة رالف بيترز موضعا للتنفيذ.

التعليقات