كتاب 11

02:20 مساءً EET

الطب في مصر القديمة

تمتع الطبيب المصري في العصر الفرعوني، وما تلاه، بمكانة رفيعة؛ يُنظر له بكل وقار واحترام. وانقسم الأطباء إلى أربع فئات؛ أولهم الأطباء الكهنة، وهم يجمعون بين معرفة النصوص الدينية والشعائر والعقاقير، وكانوا على جانب من العلم والخبرة، واعتبروا أنفسهم وسطاء بين المريض والرب الشافي. أما الفئة الثانية، فكانت فئة الطبيب، ويطلق عليه اسم «سنو»، ولم يميز الاسم بين الطبيب العادي والبيطري في النصوص، ويذكر هيرودوت بخصوص طبقة الأطباء: «لكل مرض طبيب تخصص فيه، بعضهم متخصص في العيون، وبعضهم في الرأس، وبعضهم في الأسنان، وبعضهم في الأمعاء، وبعضهم في الأمراض السرية». والفئة الثالثة هي الخاصة بالمساعدين، وهناك ما يدل على وجود ممرضين، واختصاصيين في الأربطة والتدليك، وكان يطلق عليهم اسم «اوت»، أي «مسؤول الأربطة»، وكان البعض منهم للأحياء والبعض الآخر للموتى (أي التحنيط). أما الفئة الرابعة، فهي الأطباء البيطريون، وقد عثر في اللاهون (بالقرب من الفيوم) على مجموعة من البرديات الطبية البيطرية لعلاج عيون العجول والكلاب وأسنانها.
وقد وُزع الأطباء في مصر القديمة على دور ومؤسسات، منهم أطباء البلاط الفرعوني، ودور الحكومة، والجيش. وكان الطبيب الملحق بالقصر يقوم بعلاج الفرعون وعائلته، وبالطبع كان طبيب الفرعون هو الأشهر والأمهر، ويرتقي إلى مرتبة العلماء.
ومن أشهر أطباء الفراعنة إيمحوتب، ويعني اسمه «الذي أتى في سلام». ويعتبر إيمحوتب أشهر أطباء العصور القديمة، وكان أيضًا مهندسًا معماريًا لزوسر، وقد شيد له الهرم المدرج بمنطقة سقارة. وبالإضافة إلى كونه معماريًا وطبيبًا، كان أيضًا كبير الفلكيين. واستمرت شهرة إيمحوتب من 2500 قبل الميلاد حتى 550 بعد الميلاد.
وقد ظهرت في العصور المختلفة بعد ذلك شخصيات طبية أثرت في مجال الطب، ومنهم في العصر الهيلينستي (الأغريقي) هروفيلوس – أبرز علماء الطب في الإسكندرية، العالِم في التشريح، الذي كانت له أبحاث تدور حول المخ والأعصاب والكبد والرئتين والأعضاء التناسلية.
وهناك اراسيستراتوس العالم في وظائف الأعضاء، الذي كان أكثر توفيقًا في أبحاثه حول وظائف القلب والمخ. وقد توصل أراسيستراتوس إلى التفرقة بين أنواع الأعصاب في الجسم البشري.
ونحو عام 280 ق.م، أسس فيلينوس مدرسة طب جديدة في الإسكندرية، تدعى المدرسة التجريبية، وقد كان فيلينوس أحد تلاميذ هروفيلوس، وكان يرى أن الطب ليس مختصًا إلا بعلاج الأمراض، دون الوقوف على أسبابها.
وقد تابع أساتذة الطب والجراحة نشاطهم في الإسكندرية، وظلت هذه العاصمة القديمة تحتفظ بشهرتها في هذا المجال، على الأقل حتى أواخر القرن الرابع الميلادي، عندما كتب اميانوس ماركينوس يقول إنه كان يكفي الطبيب للتدليل على مهارته قوله إنه تعلم في الإسكندرية، وينهض دليلاً على مكانة الإسكندرية في عالم الطب كثرة عدد الذين كانوا يقصدونها من مختلف أنحاء الدنيا لدراسة الطب.
ومن القرن الثالث الميلادي، لم تعد الظروف مواتية للأبحاث والملاحظات العلمية، فقد انقضى عهد الكشوفات الطبية، وأصبح هم العلماء مقصورًا على اكتناز المعلومات للمواءمة بين ما سبق الوصول إليه وحاجات العصر. ولذلك، أخذ الطب ينحدر رويدًا رويدًا، وأخذ عامة الناس يلجأون إلى التعاويذ والسحر والتنجيم من أجل الشفاء من المرض، بينما أخذ المثقفون ينشدون شفاء الجسم في سعادة الروح!

التعليقات