كتاب 11

12:04 مساءً EET

القلق والخوف في السعودية

تنامي الخوف في أي مجتمع هو خطر بحد ذاته، وقد يكسر قدرة المجتمع على الصمود؛ وثقة المجتمع بالتنفيذيين والحكومة؛ ويهدد الإستقرار المجتمعي للدولة. هناك خوف في السعودية من الحاضر والمستقبل في النواحي السياسية والإقتصادية والمالية والنقدية. يبدو أن مبعث الخوف هو الإرتياب Uncertinty بسبب معلومات متضاربة، صمت في الداخل عن كثير من القضايا الحيوية والحساسة، مقابل أخبار أو إشاعات من خارج الصندوق. وبينما ينعم المواطن في السعودية بالأمن الغير مسبوق، ولله الحمد والمنة، إلا أن الشعور بعدم الأمان، ربما، أدى إلى الخوف. المرحلة الإنتقالية منذ أكثر من عام في النواحي السياسية والإقتصادية ألقت بضلالها على ذهن المواطن، فيشعر أن هناك شيء ما قد تغيّر، لكن لا يعرف ماهو، أو إلى أين سيؤدي، وما إذا كان ذلك إيجابياً أم سلبياً.

الشعب السعودي من غير إستثناء قوي وصلب ومخزون الولاء فيه كبير وحجم الإنتماء لدى كل فرد فيه عميق. خصوصية العلاقة بين ولاة الأمر والشعب السعودي هو ما يميز تلك الخصوصية وتلك العلاقة، وتغيير مجرى تلك العلاقة لأي سبب كان هو مبعث القلق والخوف. المطلوب أمرين: (1) مزيد من التواصل بين ولاة الأمر الذين أخذوا البيعة: الملك، ولي العهد، ولي ولي العهد، وبين المواطن بشكل دائم ومستمر ومباشر وليس عبر وسائط؛ (٢) معرفة ما يجري في الداخل والخارج بكل أمانة وشفافية مهما كانت سيئة أو غير مريحة. الثقة بين المواطن والدولة قوية ومتماسكة، ونعني بذلك ولاة الأمر وتحديداً الملك وولي العهد وولي ولي العهد. لكن هذه الثقة قد لا تشمل الحكومة ووزراءها، لأن الثقة بين الشعوب والحكومات شبه منعدمة في كل الدول، تقريباً. فجزء من الثقة والإستبشار الذي رافق رؤية 2030 هو تولي ولي ولي العهد أمر ومسئولية هذه الرؤية وليس درزينة الوزراء الذين خبرناهم على مدى عقود.

لم نعد نستمع ونشاهد الملك، حفظه الله، يخرج ويتحدث إلينا عبر مناسبات ومشاريع ونطمئن عليه ويطمئن علينا. ولي العهد، أعانه الله، منشغل بأكثر قضايا الوطن حساسية وهو الأمن وملاحقة الإرهابيين، لكنه لا يتحدث إلينا في همومنا كولي للعهد وليس وزير الداخلية. ولي ولي العهد، وفقه الله، يضم تحت جناحية كل مسئوليات الوطن الإقتصادية والتنموية، ولكننا نشعر بأنه بعيد ومنشغل بالمستقبل. في المقابل، لم تتمكن أي من الغرفتين بمجلس الوزراء: مجلس الشئون السياسية والأمنية؛ ومجلس الشئون الإقتصادية والتنمية، من تعيين متحدث رسمي لكل منهما، لعقد مؤتمر صحفي كل أسبوع يطّلع فيه الرأي العام السعودي على ما يجري من تطورات لخلق شيء من الإطمئنان والإجابة على تساؤلات وإستشكالات المواطن. مجلس الوزراء لديه وزير الثقافة والإعلام كمتحدث أو ناطق رسمي يصدر تصريح صحفي رسمي بعيد كل جلسة، لكن هذا التصريح مجرد خبر ولا يكفي، وقد يثير من الأسئلة والإستفهامات أكثر من الإجابات، والمطلوب متحدث رسمي يُسأل فيجيب ويشرح ويفند.

لا يستمع أو يشاهد المواطن في السعودية إلا ما يقلقه ويزيده خوفاً على مستقبله وأهله وأبناءه وعمله وتجارته. قرارات بالجملة لزيادة الرسوم في الكهرباء والمياه والغاز والمحروقات وحتى الخدمات البلدية مؤخراً. لا بأس، لكن الوجه الأخر من المعادلة غائب أو مختفي، فليس هناك من يشرح كيف، ولماذا؟ ينتظر المواطن الوظائف بعد سنوات من رحلته التعليمية فيفاجأ بإحصائيات وأرقام ونسب البطالة المبرمجة والمتزايدة والمقلقة. يتشوق المواطن للسكن فيصطدم بتصريحات وزارة الإسكان التي تبعث على الغثيان. تتأخر الحكومة في دفع مستحقات بعض الشركات فينتج عنه إفلاس وتسريح للعمالة؛ التقارير الإقتصادية الدولية غير مشجعة؛ وأهمية النفط في تناقص؛ والتقارير المالية تبعث على الحزن؛ أما النقد وقيمة الريال وإرتباطه بالدولار فحدث ولا حرج، فالحقيقة خفيّة أو مخفية بين خبير لا يُسمع صوته، أو في بطن مسئول حكومي لا يتحدث.

الصورة في المجالس الخاصة قاتمة، ولا تستند إلى مصادر ذات مصداقية، بل تميل إلى الحدس والخرص. يتوجه المواطن بسبب الصمت أو ربما التعتيم إلى ساحة “تويتر” (البرلمان السعودي) رغبة في فهم مايجري، فيتحول القلق إلى خوف بسبب حجم الإشاعات ونقص المعلومة التي تشفي الغليل، ناهيك عن رداءة النقاش وسطحية المواضيع أحياناً. عندها ينتقل إلى الصحف عله يجد أجوبة لما إستشكل عليه فيجد الصحف السعودية نسخ مكرورة تنقل الخبر ذاته والصور ذاتها للأمراء والوزراء والمسئولين، مع محتوى ينقسم الى قسمين: (١) مقالات التصفيق والتمجيد لوزراء ووزارات؛ (٢) مقالات ركيكة مفعمة بتضخم “الأنا” أو “المهايط” حسب التعبير السعودي. ماعدا ذلك يتبقى مجموعة من الإعلانات وصور الدعاية الفجة. هنا تشخص الأبصار إلى التلفزيون الذي ليس بأحسن حالاً من بقية المنظومة الإعلامية. القنوات الرسمية ركيكة ومملة وحواراتها موجهة، والقنوات شبه الرسمية المحسوبة على السعودية كذلك، لايميزها إلا شكل وملبس وإبتسامات المذيعات. تتبقى القنوات العالمية الناطقة بالعربية وتلك القنوات تنقل مضمون يتناقض أحياناً مع ماتحاول القنوات السعودية نقله.

الوضع على الحد الجنوبي صورة لها عدة أبعاد متضادة ربما: البعد الأول، الفخر والإعتزاز بتضحيات وبسالة جنود القوات المسلحة والحرس الوطني وحرس الحدود؛ البعد الثاني، الصواريخ البالستية ومقتل المدنيين في نجران وجازان وقرى الشريط الحدودي؛ البعد الثالث، تطورات الحرب في اليمن والكر والفر وأنباء متضاربة حول من يملك زمام الأمور؛ أما البعد الرابع، فهو تقارير المنظمات الدولية والإنسانية وإتهاماتها للسعودية، مما يجعل الأمر برمته مدعاة للقلق. الوضع في العراق بعد محاولة إغتيال السفير السعودي، هو الآخر، يبعث على القلق. أما ما يخص الأزمة في سوريا، فالصمت المهيمن على الإعلام السعودي، مقارنة بالصوت العالي قبل أشهر وسنوات، يبعث على الريبة ويؤدي للقلق. علاقة السعودية مع القوى العظمى: روسيا التي تهيمن وتتمدد؛ وأمريكا التي تغدر وتتحوّل؛ وأوروبا التي تعاني وتتقلص؛ وبريطانيا التي تنفصل وتستقل عن أوروبا، كلها عوامل سياسية خارجية مقلقة ولا يعرف المواطن أين السعودية من كل مايجري.

فشلت مؤسستين رسميتين خارج إطار الحكومة كان مفترض أن تخفف من درجة القلق والخوف في المجتمع: أولاً، مجلس الشورى، الذي يضم (١٥٠) عضو من الرجال والنساء يملكون خبرة تراكمية تصل إلى أكثر من (٤٥٠٠) سنة من مختلف التجارب العلمية والعملية، لكن مع الأسف فشل فشلاً ذريعاً في أن يحوز على ثقة الحكومة والمجتمع على حد سواء؛ ثانياً، مركز الحوار الوطني، الذي هو مسئول من الناحية النظرية عن تجسير الهوة بين الدولة والمجتمع، فشل هو الآخر فشلاً مجلجلاً في تلقف كل ما يقلق المجتمع بتعدد أطيافه وطوائفه وتصنيفها إلى مواضيع للحوار ودعوة كل مسئول ليواجه المجتمع في (١٣) منطقة في المملكة، ولذا أهملته الحكومة وأسقطته من حساباتها ونسيه المواطن. الغريب أن المجلس والمركز، لديهما حُسن الشكل (المباني)، وسوء المضمون (النتائج).

يجادل البروفسور باري بوزان في كتابه “الشعب والدولة والخوف” عن هذا المثلث والتأثير السلبي للخوف. كما يجادل خبراء، من ناحية أخرى، أن هذا القلق والخوف قد يكون مقصود ويُزرع بتدبير من الجهات المعنية في بعض الدول بشكل غير مباشر لتحقيق ثلاثة أهداف: (١) الإدارة والسيطرة على المجتمع في فترات إستثنائية؛ (٢) إشغال المجتمع بقضايا التفكير في العيش والأمان؛ (٣) الإيحاء بشكل غير مباشر للمواطن بأنه يعيش في أفضل حال من غيره. لا بأس، أما نحن فنجادل، بأنه نتيجة لتنامي عدد من الظواهر مثل: نمو المدننة في المجتمع السعودي؛ وإزدياد الوعي والثقافة والتعليم؛ والتسارع في وقع ونمط الحياة؛ وإنتشار وسائل ووسائط الإعلام؛ وكثرة إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي؛ أدى إلى شيء من القلق، لكن المستجدات والتحوّل في الوضع السياسي والإقتصادي والمالي مؤخراً، ربما رفعت درجة ذلك القلق إلى الشعور بالخوف لدى البعض.

أخيراً، الحل من وجهة نظرنا ولو مؤقتاً نطرحه بين يدي وزير الثقافة والإعلام، الذي هو عضو في كلا المجلسين: الشئون السياسية والأمنية؛ والإقتصادية والتنمية. (١) الدفع بإتجاه تعيين متحدث إعلامي رسمي لكل مجلس لعقد مؤتمراً يحضره كل مهتم ويتم نقله عبر وسائل ووسائط الإعلام التليد والجديد؛ (٢) ضم مركز الحوار الوطني لوزارة الثقافة والإعلام في أسرع وقت ممكن، وإعادة صياغة مهامه ونشاطه وهيكله لكي يكون أداة ثقافة وإعلام بين الدولة والمواطن في كل مناطق المملكة. ختاماً، إنسياب المعلومة بإتجاه واحد من الحكومة للمواطن فقط، أسلوب عفى عليه الزمن وإثمه أكبر من نفعه، فالمعلومة تنتقل اليوم في كل الإتجاهات وبشكل أسرع ويتسع معها حجم الوعي عند المتلقي بشكل أكبر. الأهم، أنه يجب علينا في السعودية أن نتذكر قول الحق سبحانه: وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَيءٍ مِنَ الخَوفِ وَالجوعِ وَنَقصٍ مِنَ الأَموالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرينَ. (الأية 155 سورة البقرة). حفظ الله الوطن.

كاتب سعودي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات