كتاب 11

12:55 مساءً EET

الإدمان السعودي للإبتزاز الأمريكي

تناقلت وكالات الأنباء يوم أمس الجمعة 9 سبتمبر 2016 خبراً مفاده أن “مجلس النواب الأمريكي يجيز مشروع قانون يسمح لأهالي ضحايا الحادي عشر من سبتمبر بمقاضاة السعودية”. الخبر ليس مفاجيء، وقد تم التمهيد له إعلامياً منذ أشهر، وقد وعد الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأنه سيستخدم حق الفيتو ضد هذا القانون. ما يعنينا هنا ليس الخبر، وليس الڤيتو الموعود، وليس القانون، وليس خشية مقاضاة الأهالي، مايعنينا هو سياسة الإبتزاز الأمريكي الممنهجة التي تستخدمها الإدارات الأمريكية لتطويع السعودية سياسيا وإقتصاديا وعسكريا ومالياً وثقافيا. فأمريكا تشعر بتناقص قوتها السياسية وأفول عظمتها بسبب شركاء جدد على المسرح الدولي، وليس لها سوى الإبقاء على السعودية كدولة طيعة مطواعة لها وزن مالي مرتبط بالدولار، ووزن إقتصادي مرتبط بالنفط، ووزن سياسي مرتبط بالشرق الأوسط، ووزن ثقافي مرتبط بالعالم السني. تشعر أمريكا أن السعودية قد أدمنتها ولم تدمن النفط، ولذا فهي تمارس الإبتزاز من دون رادع أخلاقي و”على عينك يا تاجر”.

 

نشرت وكالة الأنباء العالمية “رويترز” خبراً يوم الأربعاء 7 سبتمبر 2016 بعنوان “إدارة أوباما تقدم عرض بيع أسلحة للسعودية يفوق (115) ألف مليون دولار” العرض يشمل أسلحة ومعدات عسكرية وتدريب، ويعتبر أكبر من أي عرض تم خلال (71) عام، تاريخ العلاقات السعودية الأمريكية. كما أن العرض يشمل (42) إتفاقية منفصلة، وسيظهر للعلن يوم الخميس 8 سبتمبر 2016. حسناً، ماذا لدينا هنا؟ عملية إبتزاز مكتملة الأركان. قبل أشهر قليلة تحركت الماكينة الإعلامية الأمريكية تنبيء عن قرب كشف (28) صفحة كانت محجوبة من تحقيقات أحداث الحادي عشر من سبتمبر، هرع وزير الخارجية السعودي إلى واشنطن، ونُقل عنه أنه هدد بسحب الأرصدة وبيع الأصول السعودية في أمريكا. كُشفت الصفحات وتمخضت الصفحات عن لاشيء، نكرر، “لاشيء”. وعدت الإدارة الأمريكية أنها ستستخدم حق الڤيتو ضد إقرار القانون. حسناً، هنا يتبادر السؤال الأول: لماذا تخشى السعودية قانون إذا لم يكن ضدها أي دلائل تثبت تورطها؟ السؤال الثاني: هل الڤيتو الذي وعدت به الإدارة الأمريكية غالي الثمن لمقايضته بأكبر صفقة عسكرية في التاريخ؟

 

تشكل ذكرى أحداث الحادي عشر من سبتمبر من كل عام كرنڤال إعلامي لتشويه صورة السعودية، وهو نوع وأسلوب من أنواع وأساليب الإبتزاز الأمريكي، وقد فصّل في ذلك غازي القصيبي، رحمه الله، في كتابه عقب تلك الأحداث بعنوان “أمريكا والسعودية ..حملة إعلامية أم مواجهة سياسية؟!!” يجادل القصيبي بان الحملة حينذاك تضمنت خمسة تهم: (1) أن الوهابية مسئولة عن التطرف في العالم الإسلامي كله؛ (2) المملكة التي خلقت حركة طالبان وهي التي موَّلت – ولاتزال – تموّل أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة؛ (3) عدم تعاون المملكة مع السلطات الأمريكية في التحقيقات؛ (4) التخلف السياسي والإجتماعي (قيادة المرأة)؛ وتهمة مضحكة يوردها القصيبي (5) بأن السعودية هي سبب الفقر في العالم العربي بسبب إنفاقها الأموال على بناء المساجد”. يرى القصيبي أن هناك ثلاث جهات مستفيدة: (أ) اللوبي الصهيوني حيث يقول ” ولا يمكن أن يغيب عن ذهن أي أحد أن المستفيد الأول من أي أزمة في العلاقات الأمريكية السعودية هي إسرائيل”؛ (ب) الإستخبارات الأمريكية التي فشلت في كشف الأحداث وتبحث عن “كبش فداء”؛ (ج) البيت الأبيض عبر الكونغرس على طريقة “لم آمر بها لكنها لم تسؤني” إذ لو ساءت الرئيس لسعى لإيقافها، ولماذا تسووه إذا كانت ستؤدي إلى تدجين المملكة وجعلها دولة مطيعة تماماً، مطواعة جداً؟” (ص.ص. 88 -97، غازي القصيبي، أمريكا والسعودية..)

 

لا نظن أن هناك شيء تغيّر في الإبتزاز الأمريكي للسعودية هذا العام عن الذي ذكره القصيبي قبل أكثر من عقد سوى أن أمريكا ستستبدل دعم السعودية لطالبان بتهمة مستجدة وهو دعم داعش والنصرة، مع بهارات طفيفة من تقارير منظمات حقوق الإنسان عن الداخل السعودي، وتقارير المنظمات الإنسانية عن مايجري في اليمن. حسناً، الإبتزاز الأمريكي واضح وممنهج بالتزامن مع ذكرى أحداث سبتمبر، ويستهدف: (1) دفع السعودية بإتجاه إسرائيل وممارسة ضغط على الفلسطينيين؛ (2) تقليل خيارات السعودية السياسية والإقتصادية في العلاقات مع روسيا والصين؛ (3) فرض الرؤية الأمريكية حول النزاعات وخريطة التحالفات في المنطقة؛ (4) تقديم عروض بيع أسلحة بصفقة هي الأكبر في التاريخ؛ (5) تقييد خيارات السعودية في الفعل السياسي والتكتيك العسكري؛ (6) التخلص وبيع أجيال قديمة من الأسلحة لم تعد مناسبة لأجيال جديدة من الحروب؛ (7) تأمين مئات الألاف من الوظائف في المصانع الأمريكية؛ (8) دعم الخزينة الأمريكية بمزيد من عوائد الضرائب. وأهداف أخرى لا يتسع المجال لحصرها.

 

المثير، أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر برمتها لازالت غامضة حتى في الداخل الأمريكي، فقد كتب “قاري كولز” Gary Kohls يوم الخميس 7 سبتمبر 2016 تقرير مطول نشره مركز ” أبحاث قلوبال” Global Research بعنوان “11 سبتمبر 2001: الذكرى الخامسة عشرة للجريمة وتستر القرن” ويجادل التقرير حسب تحليل الصور بأن إنفجار مركز التجارة العالمي أظهر غبار ناعم مما يعني إستخدام متفجرات زرعت في جسم المبنى للتحكم في التفجير. تقرير “كولز” ليس الوحيد فقد سبقته تقارير كثيرة مكتوبة ومرئية تحدثت عن ذات الموضوع وأعادت الأمر إلى نظرية المؤامرة، وهذا ليس المهم، لكن ما يلفت الإنتباه أن مثل هذه التقارير المضادة للتحقيقات والحبكة الرسمية لأحداث سبتمبر يتم نشرها بالتزامن مع ذكرى أحداث سبتمبر. تقرير “قاري كولز” لا يشكك في احداث برجي التجارة في نيويورك فقط، بل حتى في حادثة إرتطام الطائرة في مبنى البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية). ما نود قوله هنا أن اللعبة الإستخبارية تلعب على الشك حسب المثل الأمريكي “إذا لم تستطع إقناعهم، قم بإرباكهم” If you can’t convince them, confuse them.

 

كتبنا مقال بعنوان “رئيس جاء وذهب: وهم المصالح” بتاريخ 24 ابريل 2016 عقب زيارة الرئيس أوباما الأخيرة للسعودية نشرته هذه الصحيفة، قلنا فيه: “يحاول الساسة في السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، الإيهام بأن هناك مصالح مشتركة بين البلدين، وهذا غير صحيح البتة. هذا الوهم سببه نحن في السعودية، فنحن من خلقه، وصنعه، وتنبأ به، ولم يتبقى سوى أن نعبده، بل بات نبؤة لم ولا ولن تحقق ذاتها. لا توجد مصالح مشتركة بين السعودية وأمريكا، هناك مصلحة من طرف واحد، تستخدمها أمريكا في أغلب الأحيان، وتستخدمها السعودية في نادر الأحيان. لكنها ليست مشتركة، فالغاية والأهداف مختلفة تماماً، والوسائل المحققة لها تتباين من طرف إلى أخر. وبقدر الدلائل والمؤشرات التي تثبت عدم وجود مصالح مشتركة، إلا أننا في السعودية نصاب بالذعر من إنقشاع هذا الوهم الذي بنيناه على مدى عقود، وسوّقناه عبر التصريحات الرسمية في كل وسيلة إعلامية إعلانية. الخطير أننا صدقناه، ثم بدآنا نبتئس من عدم إنجاب هذا الوهم أي نتائج إيجابية” لصالحنا.

 

وإستطردنا في ذات المقال بأنه “يمكن لأي مراقب سعودي غير مصاب بحالة “الإنكار”، أو تضخم “الأنا”، أو إعوجاج رقبة البعير، أن يقرأ الصورة الحقيقية في عيون الساسة الأمريكان، وفي تصريحاتهم، ودراساتهم، لكي يكتشف بما لا يدع مجال للظنون، أن وجود مصالح مشتركة بين السعودية وأمريكا هو وهم سيطر على لغة الإدارات الأمريكية من جانب، وتصريحات وممارسات الساسة في السعودية، من جانب آخر. لغة التفكير بالتمني، أو ما يجب أن يكون ( What Ought To Be ) التي سيطرت على الخطاب السعودي الأمريكي، لا بأس بها لفترة معينة، لكن بقاءها على مدى العصور وإدمانها يخلق حالة مرضية إثمها أكبر من نفعها. المثير، أن إثم ذلك الوهم ستتحمل السعودية وزره لعقود قادمة، إذا لم تستيقظ على الحقيقة المرة، وهو أن لا أحد مستعد بأن “يكون ملكياً أكثر من الملك”، ولن يساعدك أحد مالم تساعد نفسك.”

 

أخيراً، هل سنسمع تصريح من وزير الخارجية السعودي، وبيان من مجلس الوزراء، ومجلس الشورى يرفض وبشدة مشروع القانون الذي إتخذه مجلس النواب الأمريكي؟ والسؤال الأخر: إلى أين تتجه العلاقات السعودية الأمريكية؟ يرى أستاذنا الكاتب خالد الوابل أنه في حال إقرار القانون “فالسعودية بحاجة لحضور قانوني قوي؛ ولكن الخوف من الزخم والطرح الإعلامي الأمريكي للخبر يؤثر في قرار المحكمة.” ومع إحترامنا لوجهة نظر أستاذنا الوابل، إلا أننا نجادل بأننا بحاجة إلى بيانات من جهات رسمية عليا ترفض مشروع القانون مع خطة عاجلة من عدة محاور: السياسي والقانوني والإعلامي، فما يحدث في واشنطن أعظم أثراً وتأثيراً على السعودية مما حدث في “غروزني”. ختاماً، نعلم أن التخلص من الإدمان الأمريكي صعب، لكن يمكن التخلص رويداً رويداً، بالتوقف عن تناول المخدر الأمريكي والإستعاضة عنه مؤقتاً بالمنبه الروسي والصيني، ريثما نكبر ونستطيع إدمان قدراتنا والتنبه لإمكانياتنا. حفظ الله الوطن.

 

كاتب سعودي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات