كتاب 11

10:40 صباحًا EET

الترويج لسياسة أميركية فاشلة «عنز ولو طارت»

لا ندري حقيقة ما هي ردود فعل الخبراء الذين يوصون بمزيد من «الانكفاء الأميركي» استمرارًا لسياسة الإدارة الحالية وهم يرون حلفاءها القدامى كدول التعاون والجدد (كالإيرانيين) يتجهون شرقًا لعقد الاتفاقيات والصفقات المنعشة الأمنية وكذلك الصفقات المنعشة لاقتصاديات دول كروسيا والصين، ويتركون الأسواق الأميركية لتحظى بالفتات؟
هل فوجئ حقًا هؤلاء الخبراء بانطلاق قاذفات روسية من قاعدة «شهيد نوجيه» الإيرانية بالقرب من همدان؟ هل التقارب الإيراني الروسي مستبعد لمجرد أن أميركا حولت سياستها إلى الانفتاح على إيران؟ أي سذاجة تلك التي تتحكم في هذه الإدارة الأميركية؟
آخر الدراسات تلك التي أشرت إليها في المقال السابق، والتي نشرتها مجلة «فورن أفيرز» بعنوان «التوازن البحري»، للأستاذين جون ميرشايمر أستاذ دراسات سياسات الأمن الدولي في جامعة شيكاغو، وستيف وولت أستاذ الشؤون الدولية في جامعة هارفارد، دعت لتقليل النفقات العسكرية وتقليل فرص تدخل الولايات المتحدة العسكري في مناطق الصراع، والانسحاب اكتفاء بالقوات المحمولة على الأساطيل البحرية، لأن خسائرها البشرية من جراء تدخلها في اشتباكات قتالية في منطقة الشرق الأوسط وأفغانستان زادت على مقتل 7000 أميركي وجرح وإصابة 50 ألفًا وخسارة 4 إلى 6 تريليونات دولار، واعتبرت أن تلك الخسائر أتت على حساب الصرف المحلي على التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وكان أجدى توفير هذه المبالغ لهذه الخدمات أو إبقاؤها في جيوب دافعي الضرائب.
وبما أنه – وفقًا لهذه الدراسة – ليس هناك تهديد – إلى الآن – على موقع الولايات المتحدة المهيمن كقوة عظمى، وليس هناك تهديد مستقبلي لا يمكن السيطرة عليه، فإدارة الصراعات الإقليمية والدولية مسألة على أميركا أن تتركها لأصحابها يحلونها فيما بينهم، وكل ما على أميركا أن تفعله حتى لا تهيمن أي من روسيا أو الصين على أي إقليم، تعزيز القوات المحلية للدفاع عن نفسها إلى أن تتوازن قوة الدولتين المتصارعتين، فيمنع هذا التوازن لجوء أي منهما لروسيا أو الصين، وتبقي القوات الأميركية قريبة من السواحل للتدخل في الحالات القصوى فقط.
باختصار فالباحثان يدعوان المرشحين إلى تكملة ما بدأه أوباما، فهذه التوصية هي التي عملت بها إدارته في الشرق الأوسط، وبالتحديد مع دول الخليج وإيران، وهكذا إدارة الصراع بينهما في سوريا والعراق، فأحجمت أميركا عن التدخل في حروب الوكالة التي تفتعلها إيران في هاتين الدولتين، وتحركت «دبلوماسيًا» فحسب، تارة لصالح إيران، وأخرى لصالح دول التعاون معتقدة أنها نجحت في حفظ «التوازن» بينهما!! هذه السياسة التي اتبعتها إدارة أوباما منذ 2008 مالت أكثر تجاه إيران كي تثبت أن سياسة الاحتواء ممكنة مع هذه الدولة المارقة، بل إن الباحثين يوجهان اللوم لأوباما على تمسكه بشرط «رحيل الأسد» وطالباه بالابتعاد وترك مشاكل الأسد ومشاكل تنظيم داعش لتحلها موسكو التي تريد أن يكون لها موطئ قدم هناك.
سؤال يوجه لدعاة تكملة ما بدأه أوباما بعد ثماني سنوات من فشل هذه السياسة أمنيًا وفشلها اقتصاديًا، هل وضع أصحابها في الاعتبار أن جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الأميركي يعود إلى الأسواق العالمية في الشرق الأوسط وأوروبا والشرق الأقصى؟ وأن تلك الأسواق دائمة التحرك وليست ثابتة وأن حراكها رهن ومرتبط بمصالحها خاصة الأمنية منها؟
إن توجه دول الخليج وحتى إيران للأسواق الروسية والصينية (بيعًا وشراء) لم يكن ليحدث لولا أن هذا التوجه جاء تباعًا للحالة الأمنية والحالة الانكفائية الأميركية التي انتهزتها روسيا والصين لتحتل كل فراغ أمني تركته.
إيران مثال وأوكرانيا وجورجيا مثال آخر، إن الرهان على عدم قدرة هاتين الدولتين (روسيا والصين) على الاحتفاظ بموقعيهما اللذين اقتنصتاهما رهان قام به مغامر لم يأخذ في اعتباره متغيرات طرأت على المشهد بما فيها رغبات الشركاء الجدد (مصر ودول الخليج وإيران وشرق أوروبا) في تعزيز فرص الاتفاقيات والمصالح الثنائية معهما.
والرهان على قدرة الولايات المتحدة على تحقيق ما سمته بالتوازن الإيراني الخليجي، لم يكن سوى لعب في النار أفرز حالة من الانفلات الأمني في المنطقة نرى تبعاتها اليوم على أوروبا وعلى الولايات المتحدة نفسها بوصول شرر الإرهاب لعقر دارهم، ألم تحسب تلك التبعات؟
ولم تنجح أميركا في حفظ التوازن في الخليج العربي، فإيران استغلت هذا الانكفاء واحتلت العراق ولبنان سوريا واليمن وكادت تدخل البحرين، واكتفت الإدارة الأميركية بالمراقبة من بعيد، ولم ينجح هذا التمدد في تنبيهها بحجم المخاطرة، بل استمرت في تسويق سياستها فجاءت لدول الخليج بعرض لبيع ما سمته «الدرع الصاروخي» وهو ذاته الذي نصبته أميركا في بولندا ورومانيا وأوكرانيا ولم يحل دون استيلاء الروس على جزيرة القرم!! تلك حالة من الغياب على الواقع وعن المهددات الحقيقية لأمن الخليج بل والأمن الدولي بشكل عام.
صدقت الدراسة في أن هذه الدول عليها أن تعزز قدراتها العسكرية وهذا ما تفعله دول الخليج الآن، إنما المفاجأة أن تلك التعزيزات تمت مع شركاء جدد سيتسع دورهم الإقليمي في السنوات القادمة على حساب الانكفاء الأميركي الأمني والاقتصادي معًا.

التعليقات