كتاب 11

01:41 مساءً EET

القابلية للاستقلال

تحدث المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي عن فكرة القابلية للاستعمار، ولقد ذاع صيت هذه الفكرة لما تضمنته من جرأة في النقد وصدمة في التوصيف. غير أن رواجها حصل في اتجاهين متقابلين؛ الأول فهم رسالة مالك بن نبي في سياق ما حدده من شروط للنهضة، أي أنه نقد هادف، يحاول كشف الأسباب التي جعلت منا موضوعا للاستعمار، وذلك من أجل معالجة تلك القابلية. أما الموقف الثاني فقد قرأ فكرة صاحب كتاب «شروط النهضة» في إطار جلد الذات وتحقيرها وتبرئة ذمة المستعمر من تهمة الاستعمار، وجعل مجتمعاتنا هي المسؤولة بحكم قابليتها للاستعمار.
من جهتنا، نقدم فرضية تبدو في ظاهرها متعارضة جملة وتفصيلاً مع أطروحة مالك بن نبي، ولكنها في واقع الأمر هي نفسها في مرآة لغوية معكوسة: فكرة القابلية للاستقلال.
وكما نلاحظ، فإن أهم ما في هذه الفكرة الاستمالة النفسية للمتلقي ورسالتها الإيجابية المباشرة.
ويبدو لي أننا اليوم في حاجة إلى الاشتغال على هذه الفكرة المنتجة للطاقة والحماسة، التي تقوم على مبدأ الاعتراف بالذات واستحقاقها لما هو أفضل.
طبعًا لا يفوتنا أن أصحاب الفكر الراديكالي التمجيدي لكل ما هو عربي وعدواني لكل ما هو غربي، سيقارب هذه الفكرة بالرفض ذاته الذي قارب به فكرة القابلية للاستعمار؛ ذلك أن التصور المثالي للثقافة والحضارة العربيتين، يقف عائقًا أمام كل مقاربة نقدية قائمة على التنسيب.
أيضًا من المهم تدقيق نقطة معينة، وهي أن الاستقلال نسبي في حد ذاته، ومفهوم حركي يتفاعل مع ظروف الدولة ووضعها بشكل عام. ففي مواقف ومجالات تكون الدولة مستقلة تمامًا، وفي مواقف ومجالات أخرى تكون تابعة وجوبًا، بل إن الاستقلالية التامة والشاملة تكاد تكون غير موجودة، إذ إن الإنسان يحتاج إلى غيره، والمجتمع يحتاج أفراده وجماعته بعضهم إلى بعض. وهو (أي المجتمع) يحتاج بكليته إلى الآخر (المجتمعات الأخرى).
وهنا نأتي إلى بعض المواقف عالية النبرة التي تشكك بشكل مستمر ومستميت في استقلالية الدول العربية، وآخرها كيفية قراءة ما صرح به سفير فرنسا لدى تونس، من أن تونس بلد مصدِّر للدواعش، حيث اعتبر كثيرون أن في ذلك مسًا باستقلال تونس. طبعًا تصريح السفير غير مقبول من ناحية تجاوزه للأعراف الدبلوماسية.
ولكن تحويل وجهة الموضوع إلى التشكيك الموغل والمكتظ بالخلفيات المسكوت عنها، فإن في ذلك مبالغة ومزايدات لا تتحملها اللحظات الوطنية الحرجة في العالم العربي اليوم، وأيضًا فيه عنف رمزي، ذلك إن طبيعة العالم اليوم تقوم على المشاركة والتداخل، ولا يمكن لأي دولة بما في ذلك الدول القوية أن تعلن بشكل غير قابل للتنسيب استقلالها التام. هناك دولة أقوى من دولة، ومن ثمة هي أكثر استقلالية منها. هكذا تُحدد الموازين من خلال علاقة القوة الاقتصادية تحديدًا بدرجة الاستقلالية في ضبط القرار وفرضه وضمان أكثر حظوظ في التفاوض. وكي نفهم هذا المعطى بشكل أوضح، يكفي أن نفكر في الأزمة السورية مثلاً، حيث الأطراف كثيرة والمصالح والمقاربات مختلفة ومتعارضة، ومع ذلك لم تستطع إرادة أي طرف من الأطراف القوية المتدخلة في الأزمة السورية فرض رؤيتها الخاصة للحل، وهو ما يؤكد فكرة تشابك المصالح المختلفة للدول وتساندها أحيانًا بشكل يجعل من الاستحالة الانفراد بالقرار والسيادة في المقاربة والحل.
أيضًا العلاقات الاقتصادية الدولية اليوم هي من الضرورة بما يجعل أي موقف سياسي مطلوبًا منه أن يضع في الحسبان تلك المصالح. فالبلدان التي تأخذ معونات من الولايات المتحدة لا تستطيع في مواضيع معينة أن تعلن الرفض وهي في حاجة إلى تلك المعونة، وأي تهور في المواقف سيذهب نتيجته الشعب. أحيانًا تجبر الدولة على فعل أشياء هي غير راضية عنها، ولكن تلك هي قوانين لعبة التشارك والتعاون والحماية ساعة اللزوم. والأنظمة الذكية هي التي تعرف متى لا تتنازل عن سيادتها الكاملة في اتخاذ القرار، ومتى يجب أن تلبي الدعوة كي لا تجد نفسها معزولة، خصوصًا في مواضيع دقيقة مثل الحرب على الإرهاب وغير ذلك.
إذن اليوم أكثر من أي وقت مضى نستطيع أن نتحدث عن القابلية للاستقلال أكثر من الحديث عن القابلية للاستعمار، رغم أنه، حسب تقديرنا، الفكرتان شيء واحد من حيث الجوهر والرسالة. ولا ننسى أن من بين أبعاد فكرة الواقعية السياسية التنازل المدروس والمصلحي عن شيء من السيادة في القرار والموقف.
غير أن فكرة القابلية للاستقلال تتماشى مع ما تم إحرازه من تقدم في مجالات مقاومة الأمية وملف الصحة وما حدث من تغيرات نوعية في مجالات قانونية لصالح المرأة في جميع البلدان العربية مع تفاوت نسبي في طريقه إلى التضاؤل. أي أن دول الاستقلال العربية أمنت خطوات مهمة في طريق مقاومة الجهل والأمراض ذات الصلة بالفقر وغياب الرعاية الصحية، وتخرجت أجيال ذات فكر وثقافة وقدرة على العقلنة، رغم كل الظواهر المحبطة التي نراها.
ومن ثمة فإننا اليوم نمتلك القابلية للاستقلال التي لا نحرز فيها تقدمًا نوعيًا بالمواقف السياسية المتهورة بل بتحقيق قوة اقتصادية تجعلنا أقل حاجة اقتصادية للآخر، وأيضًا العمل على مزيد من التحديث الذي يفتح أفقًا رحبًا أمام الذات العربية، لتكون أكثر حرية وأكثر إبداعًا فكرًا وعملاً ونظرة للعالم.
إذن انتقلنا من طور القابلية للاستعمار إلى طور القابلية للاستقلال، وذاك ليس بالأمر الهين لو ندري. فقط المطلوب تقوية هذه القابلية وتكثيفها.

التعليقات