كتاب 11

02:45 مساءً EET

سمعاً وطاعة .. يامولاي الملك

يحتفل كل سعودي وسعودية اليوم بالذكرى (86) لتأسيس المملكة العربية السعودية، التي إستغرق توحيدها (30) عاماً على يد الملك عبدالعزيز، رحمه الله رحمة الأبرار. وهانحن اليوم نجني ثمار ما زرعه الأباء والأجداد من وحدة بين أجزاء متفرقة من جزيرة العرب، إختلط فيها الشمال بالجنوب، والشرق بالغرب، وباتت الرياض في الوسط مدينة الجميع. تضم السعودية شعب عربي مسلم أصيل يشعر كل فرد فيه بأن العروبة والإسلام جزء لا يتجزأ من هويته. قيض الله للسعودية ملوك عظام تفانوا في تنمية بلادهم لتحقيق حلم كان ولازال يراودهم، وهو أن تكون السعودية وشعبها في مصاف الدول والأمم المتقدمة والمتحضرة مع الإحتفاظ بخصوصيات تتمثل في المباديء الإسلامية والقيم العربية الأصيلة والنبيلة. ولذا كانت السعودية من أوائل الدول المؤسسة والموقعة على ميثاق الأمم المتحدة التي تحتفل اليوم بالذكرى (71) على تأسيسها.

نجحت السعودية في أن تشق طريقها بين العرب ومعهم في لم الشمل بالرغم كل الصعوبات والمعوقات والأيديولوجيات التي هبت رياحها على العالم العربي بعيد الحرب العالمية الثانية. ونجحت السعودية في أن تتعاون مع دول الخليج العربية في خلق كيان جمعي يساعد دول الخليج الناشئة والصغيرة على التعامد فيما بينها لعبور الأمواج العاتية القادمة من الشرق والغرب. ونجحت السعودية أن تجمع شمل الأمة الإسلامية ودولها في منظمة تعاون تقيها شرور صدام الحضارات الذي أمسى حتمياً مع ثورة الإتصالات والمواصلات. ونجحت السعودية في أن تنضم لمنظمة التجارة العالمية لتحرير التبادل التجاري بين الدول، مما هيأ السعودية للدخول إلى نادي النخبة وتكون عضو في مجموعة العشرين التي تشكل أكثر من (80%) من حجم التجارة العالمية.

تفانى سبعة ملوك: عبدالعزيز؛ وسعود؛ وفيصل؛ وخالد؛ وفهد؛ وعبدالله، رحمهم الله، في خدمة بيت الله الحرام ومسجد رسوله الأعظم (ص)، وصولاً إلى الملك سلمان، خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله وأعانه. فأمسى الطريق إلى مكة المكرمة وأداء شعيرة الحج ميسراً وميسورا، وأداء العمرة وزيارة مسجد المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام ممكناً ومكينا. كل ملك من ملوك السعودية قام بتوسعة للحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة في منى ومزدلفة وعرفات حتى أصبحت تستوعب الملايين بدل الألاف، وبعمارة جميلة وجذابة للحرمين يندر مثيلها في العالم. لقد بلغ بالسعودية الحرص على الحجيج، أن وفرت معامل وعمال لتهيئة “الحصوات” لرمي الجمرات للحجاج الغير قادرين على إلتقاطها في مزدلفة. تمكنت السعودية من إدارة الحشود المختلفة في مواسم الحج والعمرة والزيارة بدءاً من التأشيرات في القنصليات السعودية مروراً بمطارات تم ترقيتها وتوسعتها وتحديثها لكي تتماشى مع الزيادة المذهلة، مروراً بأماكن إقامة متعددة تستوعب الجميع على إختلافهم، ووسائل نقل ووسائط مواصلات حديثة. مع منظومة متكاملة للأمن والسلامة تحقيقاً للمراد الإلهي في أن تكون “مثابة للناس وأمنا”.

يمكن معرفة جزء من الملحمة السعودية بالنظر إلى التنمية الداخلية ليس في المكان فحسب، بل في الإنسان السعودي، ذكر وأنثى. نظرة سريعة ومقارنة بسيطة على أعداد الطلبة والطالبات في مختلف المراحل التعليمية وتنوع تخصصاتها في المعاهد والكليات والجامعات في الداخل والخارج، تضطر المنصف وغيره إلى الوقوف بإجلال وإحترام للقيادة السعودية على الجهد والوقت والمال المبذول للعلم والمعرفة وتنمية الوعي للفرد السعودي. لا يقتصر الأمر على العلم بل يتعداه إلى العمل والتجارة والصناعة والتقنية وكافة مناحي الحياة. يستطيع أي مراقب أن يرى أن السعودية دولة وشعب حي وديناميكي وفعّال. إستطاع ولاة الأمر أن يقودوا السفينة بثبات لتحويل الكيان السياسي إلى دولة تقف بندية مع دول سبقتها بقرون، ومن مجموعة قبائل متفرقة إلى أمة سعودية فتية.

نجزم من خلال قراءة التاريخ السعودي أن الإعجاز الذي حققته القيادة السعودية يكمن في الموازنة بين نقيضين أو متضادين أو طريقين في السياسة الخارجية والداخلية. التاريخ يؤكد أن الملك عبدالعزيز ساس مكانة بلاده بحكمة إبان الحرب العالمية الأولى، والثانية، وهكذا فعل أبناءه في كل ماجرى من رياح سياسية بعد ذلك. الأمر ذاته حدث في سياسة الداخل توازن بين التباطؤ الذي يطالب به الجيل التقليد والتسارع الذي يسعى إليه الجيل الجديد. كل فريق بما لديهم فرحون ومتحمسون، لكن قيادة السفينة ترى غير ذلك. السنوات والعقود وحتى القرون لا تعتبر شيء في عمر الأمم. ليس المهم أن تسبق الأخرون، المهم أن تستمر وتتواصل الرحلة بأمان، لأن رحلة الأمم ليس لها شاطيء.

تصل السعودية اليوم إلى مرحلة يمكن لها أن تفخر بقيادتها وشعبها وجيشها وأمنها. الحكم في أيد أمينة ويتطور بنفس الديناميكية التي تسير عليها البلاد، وتشهد السعودية لأول مرة في تاريخها دخول أحفاد المؤسس إلى دائرة الحكم والشعب مطمئن إلى حسن الإدارة والقيادة. الحكومة تتطور وتنفض عن نفسها غبار الرتابة والتقليد وتبدأ برنامج تحوّل لتحسين الأداء وخدمة التنمية بشكل أفضل، كمقدمة لرؤية تمتد عقد ونصف تطمح إلى إحداث نقلة نوعية في الفكر والأسلوب والعلاقة بين الحكومة والمجتمع. الحوكمة بدأت تتسرب إلى أدبيات الإدارة الحكومية لتهيئة الوعي الجمعي على الإنتقال من المباركة إلى المشاركة. يتزامن مع ذلك نضج البيئة في قطاع الأعمال ودخول شباب الأعمال إلى الريادة، وشعور متنامي لدى الأجيال الجديدة، ذكور وأناث، بالفخر والإعتزاز ببلادهم وأهمية أن تتفوق.

تعيش السعودية اليوم في وسط عالم مضطرب سياسياً وعقائديا، ومع هذا نجدها تناضل على كافة المستويات لحماية التعايش السلمي وتجنيب المنطقة التوتر بكافة أشكاله قدر الإمكان. تعتمد السعودية، بعد الله، على جيش قوي حديث ومنظومة أمنية تستشعر الأخطار المستجدة بكل أشكالها. تقف السعودية شبه وحيدة في منطقة كانت ولا زالت تعج بالمؤامرات والصراعات الدولية والإقليمية ورغبة جامحة لدى القوى العظمى والإقليمية لتوسيع نفوذها وقضم ما يمكن من دول المنطقة وتحويلها إلى مجالات حيوية لها. تتحمل السعودية أعباء منظورة وغير منظورة تجاه قيم عليا في كونها قبلة المسلمين، وتقع في جزيرة العرب، وأول وحدة شاملة كاملة.

أخيراً، تعيش الأمة السعودية فرحة اليوم الوطني، ويحق لها ذلك. أمة غالبيتها من الشباب، ذكور وأناث، اليوم يومهم، والغد والمستقبل بكل تحدياته لهم. السعودية، ولله الحمد والمنة، بخير وإلى خير، وستسود الأمة السعودية على باقي الأمم بحول الله وقوته بالتفاؤل والعمل والحب. نعم الحب يصنع المعجزات ويسهل الصعاب ويقصر الطريق ويملأ الليالي بالتوق والشوق لِغَد مشرق جميل. ختاماً، وردة حب لكل فرد من أفراد الأمة السعودية، وإلى ولاة الأمر تهنئة وحب وإحترام، وإلى مولاي الملك سلمان نقول مطلع قصيدة أمير الشعر خالد الفيصل: بأمر الملك عوّدت سمعٍ وطاعة.. حفظ الله الوطن.

كاتب سعودي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات