كتاب 11

11:08 صباحًا EET

شخصية العام

في حفل لأوركسترا أندري ريو عازف الكمان الشهير نقل مخرج الحفل الكاميرا على وجوه الجمهور وهو متأثر باللحن الشجي الذي عزفه أندري بثلاثية ضمت كمانه مع آلة الناي وآلة القربة، كان الجمهور في غاية «الذوبان»، على حدّ وصف أحد الأصدقاء، ولا تملك أنت كمشاهد إلا أن تتأثر بتأثر الجمهور الذي اغرورقت عيونه وفاضت مشاعره وضم كل رفيق رفيقه، أو ألقى أحدهم بكتفه على الآخر واشتبكت أياديهم في مشهد رومانسي جميل وهم يتابعون العزف.
أجمل ما في الموضوع أن تلك المشاهد الرومانسية التي أبدع فيها الجمهور لم تكن متأثرة بلحن لأغنية عاطفية، بل كان اللحن عبارة عن النشيد الوطني الاسكوتلندي، أي إن الوطنية هي التي كانت محركا لتلك العاطفة الفياضة التي اكتست ملامح الجمهور، ذلك يعنى أن للوطنية رومانسية وعذوبة ورقة تفوق الرومانسية التي توجد بين رجل وامرأة أو بين إنسان وإنسان كالأم وابنها أو الابن وأبيه، للوطنية مكانة في النفس ممكن أن تجعلك تجهش بالبكاء، لو مسست مفاتيحها فإنك ستمس شغاف قلبك، وهذا ما فعله اللحن في الجمهور الاسكوتلندي الذي حضر الحفل.
كانت تلك واحدة من الصور الجميلة للرومانسية الوطنية التي شهدتها، أما الأجمل فتمثلت في صور رجال الأمن السعودي في موسم الحج هذه السنة، ولو كان لدينا غلاف لمجلة كـ«التايم» نختار له «شخصية العام» كما تفعل هذه المجلة الأميركية الأسبوعية منذ عام 1927 لاخترت شخصية العام «رجل الأمن السعودي».
ولو صرفت المملكة العربية السعودية الملايين على شركات العلاقات العامة لتحسين صورتها في العالم الإسلامي، ما كانت ستعطي نتيجة كالتي حققتها صور الكرم والتسامح والطيبة وحسن الضيافة، التي ظهر بها رجل الأمن السعودي في الحج هذا العام.
لو كانت المملكة صرفت الملايين على الدعوة والإرشاد لدين الله ما كانت ستعطي ما أعطته صور رجال الأمن السعوديين وهم يخدمون ضيوف الرحمن، حقا لقد كانوا دعاة للدين دون أن ينطقوا بحرف.
دع عنك مستوى التنظيم العالي لرجل الأمن السعودي فذلك واجبه، دع عنك عدد رجال الأمن الذي فاق 95 ألف رجل أمن غير المتطوعين بعشرات الآلاف من رجال ونساء، فذلك تنظيم مؤسسي، الزاوية غير التقليدية التي مست شغاف القلب هذا العام هي رومانسية رجل الأمن السعودي هذا العام، ومنحت إنسانيته فوزا للمملكة العربية السعودية يفوق الكثير من جوائزها.
ودون زعل أو حساسية فصورة الرجل السعودي بشكل عام التقليدية المنتشرة خارج السعودية أنه رجل حاد في تعابيره، لا ننتظر أن نراه أبدا في مشاهد رقيقة أو عذبة (تلك انطباعات عامة موجودة وإن كانت غير دقيقة) فما بالك والرجل سعودي وعسكري أيضا؟ هنا المفارقة.
ما شهدناه رجل لم تفارقه الابتسامة يذوب رقة حين حمل طفلا وألبسه قبعته العسكرية إلى حين تنتهي أمه من رمي الجمرات، وذاك انحنى للأرض تذللا يدلك قدم رجل مسن لا يعرفه، وآخر حمل مسنا على ظهره في رابعة النهار، وآخر يبرد الحجاج بالمراوح الورقية وهو الذي يتصبب عرقا، أما الأجمل فقد كانت الصور التي التقطتها الكاميرات لامتنان الحجاج لرجال الأمن وقت الوداع، فهذا حاج يقبل رأس رجل أمن، وتلك حاجة تدعو لهم من قلب مفعم بالامتنان، وهذا رجل تبسم ثغره بعد عبوس، بعد أن نجح رجل أمن في إضحاكه، ما أجمل هذه الصورة، خاصة حين نعلم حجم الضغط النفسي الذي تعرض له رجل الأمن في موسم يعد من أصعب مواسم الحج على الإطلاق، نظرا للتحديات الأمنية وبالذات في هذا الموسم.
إن التحفيز الذي وصل للعسكري السعودي هذا العام ربط له رضا الحاج بالمصلحة الوطنية كما هي المصلحة الدينية، ذلك حافز إضافي جديد سيرى العسكري نتائجه الفورية، لقد ربطت لرجل الأمن مهمته العسكرية بالحصول على رضا الحجاج عن خدمات المملكة، فذلك الرضا سيكون الرد المفحم على تخرصات إيران التي تشكك في قدرة وطنه على خدمة الحجاج، قناعة رجل الأمن أن رضا الحجاج وسعادتهم وراحتهم ستغني المملكة عن الدفاع عن موقعها ومركزها الديني، حركت عنده الشعور بالمسؤولية الذاتية فكانت المفتاح الذي أخرج مشاعر كامنة دفينة للرقة والعذوبة، كان السعودي خادما بمعنى الكلمة لضيوف الرحمن تأسيا بمليكه خادم الحرمين الشريفين، ظهرت لديه قدرة فائضة على البذل والعطاء، وأظهرت سلوكيات مرهفة تجاه الأطفال والنساء والشيوخ، كانت ترجمة حقيقية لمعنى «كله يهون لأجل السعودية»، حتى طاقة العمل استنفرت مخزونها الكامن في الجسد، رأينا حجمها حين نام رجال الأمن في مواقعهم على الأسفلت تعبا بعد أن ودعوا آخر حاج.
الوطنية مفتاح المعجزات لو تعلمون، قل للشاب إنك تستطيع أن ترد عدوانا على وطنك بالتزامك بقواعد المرور بانتظامك في طابور بانضباطك الوظيفي بتسامحك مع أصحاب الديانات والأعراق بتعاملك مع الضيوف على المنافذ، أقنعه بهذا الرابط كما أقنعت القيادة رجل الأمن أن رضا الحاج عمل وطني وانظر ما سيبذله وما سيعطيه.

التعليقات