كتاب 11

02:30 مساءً EET

الخلاف السعودي المصري في مونتكارلو

خصصت الإعلامية المتميزة إيمان الحمود في برنامجها الأسبوعي “ساعة خليجية” الذي يتميز بمواكبة الحدث الخليجي بأسلوب هاديء ومتزن، حلقة عن ما يتردد أنه ” فتور في العلاقات السعودية المصرية” لبحث أسبابه ودوافعه ومئالاته. فقد شهدت العلاقات السعودية المصرية مد وجزر إعلامي بعد مؤتمر “غروزني” الذي ناقش بعض تفاصيل التفاصيل في قضايا فرعية، صدرت من بعض المتحفظين، ولا نقول المحافظين، في السعودية الذين إستفزهم بعض ما تردد عن مؤتمر “غروزني” ونتائجه. المجتمع الإعلامي السعودي والمصري، من وجهة نظرنا، قريبين من بعضهم البعض لدرجة أن العتب والعشم يغلب على العقل والموضوعية في تناول كثير من القضايا. هذا الشد والجذب الإعلامي من الجانبين السعودي والمصري إستوقف بعض المراقبين لمعرفة ما إذا كان ذلك النقاش المحتدم له جذور سياسية ويعبّر عن تغيّر أو تحوّل في العلاقات السعودية المصرية أم أنه غير ذلك.

 

شارك في حوار “ساعة خليجية” الأستاذ وليد عباس نائب رئيس التحرير في مونت كارلو الدولية، المختص بالشأن المصري، الذي يرى أن هناك فتور في العلاقات السعودية المصرية ليس بسبب الشد والجذب الإعلامي مؤخراً على إثر مؤتمر “غروزني” فحسب، بل أن قضية جزيرتي “صنافير وتيران” كانت ،أيضاً،  سبب في شد وجذب إعلامي مماثل لم يتوقف حتى الأن. ويجادل الأستاذ وليد عباس، أن الخلافات بين السعودية ومصر أعمق من السجال الإعلامي ليصل إلى قضايا “إستراتيجية” مثل: العلاقة مع “الأخوان”؛ سوريا؛ اليمن؛ ليبيا؛ وإيران، مما يشير إلى فجوة كبيرة بين الدولتين تتوسع أكثر فأكثر مع تطور الأحداث. عدد من المراقبين، قد يتفقون مع مايذهب إليه الأستاذ وليد، بسبب الأسلوب التقليدي في فهم العلاقات الدولية. لكننا نختلف تماماً مع ذلك التحليل.

 

حاولنا في حوار “ساعة خليجية” أن نجادل بأن العلاقات بين الدول أشبه ما تكون بالحالة في المصعد، يكون السكون هو السمة الغالبة ما عدا لحظتي الإنطلاق والتوقف، وهذا يشبه تماماً العلاقات السعودية المصرية، حيث أن السكون الذي شابها بعد زخم الإتفاقيات التي صاحبت زيارة الملك سلمان إلى مصر قبل أشهر، هو دليل على العلاقات في أحسن حالاتها خصوصاً مع تشكيل لجان ووضع آليات لتسيير العلاقة ومعالجة أي معوقات أو إنسداد أو تصلب قد يطرأ على شرايين العلاقة بين البلدين. من جانب أخر، العلاقة بين السعودية ومصر، من وجهة نظرنا، هي أكبر وأعمق وأوثق حتى من حكومتي البلدين ومن الإتفاقيات ومن الإعلام، وأيضاً من بعض الكتّاب في البلدين الذين يمكن وصفهم بشطر بيت للعقاد: “جهولاً يملأ الأرض سؤالاً وجوابا”. العلاقة السعودية المصرية، هي علاقة بين مجتمعين تتجذر عبر التاريخ مما يجعلها الأصل والقاعدة، وماعداه من تكييف سياسي ودبلوماسي وإعلامي، الفرع والإستثناء.

 

اللغط الإعلامي ليس مستغرباً فقد حدث بعيد الزيارة الملكية لمصر من بعض وسائل الإعلام حول إتفاقية تعيين الحدود البحرية بين السعودية ومصر والتي تشمل جزيرتي “صنافير وتيران” ذات الملكية والسيادة السعودية 100% والتي لم يكن هناك تنازع عليها بين الدولتين مطلقاً حسب الوثائق التاريخية والدبلوماسية والسياسية والعسكرية، لكن لهذا اللغط، من وجهة نظرنا، أربعة أسباب: (1) أن إتفاقية تعيين الحدود البحرية جاءت ضمن مجموعة من الإتفاقيات الإقتصادية والإستثمارية والعلمية والعمالية والإعلامية والطبية كمساعدات للشعب والحكومة المصرية مما جعل البعض يسيء فهم التوقيت؛ (2) أن جزيرتي صنافير وتيران بقيت في الظل الإعلامي منذ حرب العام ١٩٦٧م وإحتلال إسرائيل لشبه جزيرة سيناء؛ (3) الشعور الشعبي العام السائد بأن الجزيرتين تحت السيادة المصرية عززه التناسي والتقادم وبعض التصريحات والخرائط الخاطئة في الداخل المصري؛ وبأهمية خاصة (4) أن زيارة الملك سلمان التاريخية نجحت بكل المقاييس مما أغضب البعض ممن لا يأنسون لعلاقات إستراتيجية بين الدولتين “ويؤذي نفوسهم أن ينجح الآخرون”، ولا يمانعون في إفساد الزيارة ولو بالتشويه.

 

إستمرت العلاقات السعودية المصرية في التطور بشكل ملحوظ بالرغم من الإختلاف في وجهات النظر، ليس حول الأهداف، ولكن في الوسائل والأساليب. السعودية ومصر متفقتان تماماً على مجمل الأهداف حول إيران وتركيا وإسرائيل، والنزاع في اليمن وسوريا والعراق وليبيا، والمنظمات والمجموعات الإرهابية: كتنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وتنظيم جماعة “الأخوان”. لكن السعودية ومصر قد لا يتوافقان على الوسائل لتحقيق تلك الأهداف الإستراتيجية، وهذا دليل تنسيق وتوافق ويطلق عليه بين الدول “تبادل الأدوار”. الدور السعودي يكون أقوى بوجود رؤى مصرية مختلفة حول القضايا الحساسة بالتسبة لها في اليمن وسوريا وإيران، والدور المصري سكون أقوى، أيضاً، بوجود رؤى سعودية مختلفة حول القضايا الحساسة بالنسبة لمصر في ليبيا والعلاقة مع تنظيم “الأخوان”. مما يؤدي بالتالي إلى التكامل.

 

ثبت لدى الجميع، تقريباً، بأن اللغط الإعلامي الذي أعقب مؤتمر “غروزني”، هو لدق إسفين في العلاقة بين السعودية ومصر والإمارات. هذا الخط السياسي الثلاثي العربي الذي يمتد من القاهرة مروراً بالرياض وصولاً إلى أبوظبي أزعج مجموعة محسوبة على تنظيم “الأخوان”، فتم دس الشائعات والأكاذيب للنيل من مصر ورئيسها ومؤسسة الأزهر الشريف، وشخصية الدكتور أحمد الطيب الوسطية الحكيمة. ويمكن لأي مراقب ومهتم أن يرسم الخط المشترك بين من إنساقوا خلف تلك الأكاذيب، ليتبين أن كل منهم يحمل روح الإسلام السياسي بشكل أو بآخر بدليل ذلك المكنون من الكراهية والعنصرية والمذهبية المقيتة بجهل فاضح، ولكن ما لبثت تلك الزوبعة المصطنعة أن تلاشت وإختفت بسبب سذاجتها.

 

يجادل الأستاذ وليد عباس، أيضاً، بأن موقف السعودية قد تغيّر من تنظيم “الأخوان” ومن يساندهم من الدول في المنطقة، وهذا غير صحيح مطلقاً. فتنظيم “الأخوان” لازال مصنف رسمياً على أنه تنظيم إرهابي في السعودية، كما يتم التعامل مع تمدداته خارج السعودية بحذر وإنتقائية وتصنيف دقيق. أما إسشهاد الأستاذ وليد عباس بعلاقة السعودية مع قطر وتركيا، فما نشهده هو العكس. فقد خفّت الحميمية بين كل من السعودية من جهة، وقطر وتركيا من جهة أخرى، ليس بسبب علاقتهم الوطيدة بتنظيم “الأخوان” فقط، بل بسبب قضايا أخرى من أهمها تغيّر المواقف حول الأزمة السورية، والعلاقات مع إيران. كما أن العلاقات المصرية التركية، من جانب آخر، في طريقها إلى الحلحلة لصالح مصر، حسب ما جادل به الخبراء بعد لقاء جانبي بين وزيري خارجية البلدين في مؤتمر دول عدم الإنحياز مؤخراً.

 

أخيراً، العلاقات السعودية المصرية تشهد عمقاً إستراتيجياً، وتطوراً سياسياً، وتنامياً إقتصادياً، وتآلفاً إجتماعياً، أكثر من أي وقت مضى. صحيح أن هامش الحرية الإعلامية في الدولتين سمح لبعض أصوات الكتاب والإعلاميين بالبروز والظهور للعلن لخرق جدار السكون مما يوحي بأزمة، لكننا نرى في ذلك عنصر صحي وطبيعي لا يفسد للود والعلاقات قضيّة. السعودية أحوج ما تكون اليوم لمصر والعكس صحيح، فكلا الدولتين والشعبين يعيشان ظروف متشابهة نوعاً ما، من أهمها، محاولة التفريق بين القطبين السعودي والمصري من ناحية، وعزل الدولتين عن المحيط الأقليمي، من ناحية أخرى، وذلك هو الهدف ذو الشوكتين. كما أن الحرية الإعلامية في السعودية ومصر مطلوبة ومهما تعالت الأصوات السلبية فهي في المجمل ظاهرة صحيّة وإيجابية فلا يجب أن نبتئس منها. ختاماً، إستطاعت الإعلامية إيمان الحمود إدارة الحوار الذي جرى في مونت كارلو وتقريب وجهات النظر المختلفة حول العلاقات السعودية المصرية بإحترافية مما يجعلنا نتمنى لو أن الجامعة العربية تفعل ذات الشيء أو تستعين بالإعلامية القديرة. حفظ الله السعودية ومصر.

 

كاتب سعودي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات