كتاب 11

04:22 مساءً EET

تشاؤم المجتمع وكراهية الحكومة

بصرف النظر عما إذا كانت الرؤية 2030 ستنجح أم لا؛ وبصرف النظر عن الأثر السيء الذي أحدثته القرارات الأخيرة في موظفي الحكومة والمجتمع؛ وبصرف النظر عن الإرتباك الحاصل في قطاع الأعمال لتأخر صرف مستحقات بعضهم عند الحكومة؛ وبصرف النظر عن التوجس من مزيد من الرسوم والغرامات يتوقع فرضها من دون معرفة كم وكيف ومتى؛ وبصرف النظر عن ما يشعر به المجتمع بأكمله تجاه فرض ضرائب يتأثر بها الفقير قبل الغني؛ وبصرف النظر عن قضايا وظروف كثيرة، نسأل معالي الوزراء الأعزاء: ألا يفترض في أن يكون المجتمع لحمة واحدة ومتضامناً مع الحكومة يساعدها في تخطي المرحلة الصعبة والحرجة في ظل ظروف سياسية مقلقة إقليمياً ودولياً وعالميا؟ لماذا يمعن الوزراء في الإحتجاب وعدم التواصل شبه اليومي مع المجتمع لتنويره والرد على استفساراته وإستشكالاته؟ لماذا لا يكون الإعلام السعودي المقروء والمسموع والمرئي وسيطاً أميناً صادقاً شفافاً بين صاحب القرار ومنفذ القرار؟ لماذا يصر الوزراء الأعزاء على خلق حالة تشاؤم في المجتمع تعيق نجاح الرؤية، وكراهية للحكومة من المواطن تزداد يوماً بعد يوم بسبب ممارسات الوزراء؟

 

تكرر مصطلح الشفافية في وثيقة برنامج التحوّل الوطني أكثر من (30) مرة، وفرحنا وإبتهجنا بعد أن شاهدنا تكدس قرابة (15) وزيراً خلال ثلاثة أيام متتالية يعقدون مؤتمراً صحفياً يجيبون فيه على أسئلة وتساؤلات الإعلام. لكن “يافرحة ماتمت” كما يقول المثل الشعبي، فمع أول هبة من رياح رؤية 2030 تبخر مصطلح الشفافية وإندس الوزراء وإحتجبوا وغابوا، وقلنا تهكماً حينها “الصيف ضيعت اللبن”، فلربما أن الإجازة الصيفية أو حرارة الطقس ساقت الوزراء بعيداً. لكن عدنا من الإجازة الصيفية ولم يكن عود الوزراء أحمدُ، مما يضع تساؤلات كثيرة وكبيرة على أسلوب التعامل في قادم الأيام وخلال سنوات الرؤية وقراراتها التي تمس المواطن: هل سيتكرر تجاهل الوزراء للمواطن والمجتمع؟ هل أصبح وزن وقيمة المواطن لدى وزراء الخدمات بعد إنطلاق الرؤية هامشياً؟ هل من حق المواطن أن يعرف مسبقاً عن أي قرار سينتقص من دخله الشهري أو السنوي؟ أليس هذا ما تنص عليه ديباجة وثيقة التحوّل الوطني التي زخرت بكثير من العبارات التسويقية الرنانة؟ ماهو دور الإعلام الرسمي المقروء والمسموع والمرئي في شرح قرارات الحكومة قبل صدورها وبعد صدورها؟ ألا يؤدي تجاهل الوزراء وعزوفهم عن الشفافية والإفصاح والشرح إلى خلق بيئة طاردة للمستثمرين المحليين والدوليين؟

 

يجادل أستاذنا د. محمد القنيبط في ورقة نقدية متقنة الصياغة والتحليل بعنوان “كولن باول ورؤية ٢٠٣٠!؟” نشرها على حسابه في تويتر بأن “فجائية وغرابة وكثرة القرارات المتعلقة بغالبية أنشطة القطاع الخاص، بل وعموم السكان” كانت سبب ومسبب للتشاؤم، ويؤكد د القنيبط، “أن ظاهرة التشاؤم هذه، هي أخطر وأصعب عقبة تنموية تواجهها المملكة منذ بداية الطفرة الأولى، حيث تشكل عقبة خطيرة أمام التنمية الإقتصادية لأي دولة كانت، فكيف بدول نامية فتية كالمملكة تسعى جاهدة لتحقيق أهداف إقتصادية تنموية وطنية عظيمة ونبيلة صاغتها رؤية ٢٠٣٠”. أما نحن فنجادل بأنه لو لم يتجاهل الوزراء المواطن والمجتمع لخفت حدة التشاؤم التي يجادل بها أستاذنا القنيبط. فالتواصل المستمر بين المسئول والمجتمع يعطي مزيداً من الإطمئنان والثقة ليس للمواطن والمجتمع فحسب، بل لذلك المستثمر القادم من البعيد حاملاً معه أمواله لكي يطمئن عليها في بيئة تؤمن بالشفافية والتواصل والشرح والتفصيل والإجابة على الإستفهامات وطرح الأسئلة لكي تكون بيئة إستثمار حقيقية وجاذبة.

 

الإعلام الرسمي التقليدي بدوره وكعادته، خيب الأمال ولم يخفف من حجم التشاؤم ودرجة الكراهية ولم يتبقى للمواطن لفهم ما يجري أو التنفس عبره سوى ساحة تويتر بكل مالها وعليها، التي زخرت بالكثير من الشائعات والمناقشات معظمها تؤكد التشاؤم والكراهية في ظل غياب صحافة مسئولة وإعلام على قدر المسئولية. يؤكد ما نجادل به أستاذتنا د. فوزية أبو خالد بمقال جميل، بعنوان “ملحمة التلاحم الوطني في السراء والضراء”، تصنف فيه الكاتبة تعامل الصحافة مع القرارات الجديدة مما يزيد من حدة الغموض والحيرة والتشاؤم والكراهية لوزراء الحكومة، وتصنف الكاتبة المحتوى الصحفي إلى ثلاثة أنواع: (1) قراءة موافقة مباشرة .. في مديحها لا يعول أي منهما أي لا المواطن ولا المسؤول على استخلاص رأي استرشادي بحقيقة قبولها أو رفضها من قبل المجتمع أو بحقيقة ضررها من نفعها.” (2) قراءة تتضمن “رأي يجيء مموهًا أو باهتًا إن لم يبدو غامضًا ممطوطًا أو مجتزءًا في محاولة للتستر على نقديته أو أسئلته وذلك للتماشي مع سقف النشر في الصحف المحلية التي تراوح حسب أريحية وخبرات وتجارب رؤساء التحرير؛ (3) قراءات تلوذ من مضائق رقابة الإعلام الورقي بفسحة الفضاء الإلكتروني، فإن المسؤول والمواطن قد يجد في اجتراحها لشفافية النقد وفي قدرتها على المصارحة بالمخاوف والجهر بالأسئلة ما قد يعين الوطن على تعدد التفكير والتفكير المشترك في مواجهة الضائقة المالية التي حدت بنا إلى مثل هذه القرارات كالتداوي بالكي.” (صحيفة الجزيرة، 5 أكتوبر 2016)

 

من جانب أخر، كراهية الحكومات أمر طبيعي في سائر أنحاء الدول والأمم حيث أن الحكومة (السلطة التنفيذية) هي المعنية بتنفيذ القرارات التي تمس المجتمع والمواطن مباشرة ويغلب عليها الرسوم والضرائب وتقييد الحريات وهي المخولة – أي الحكومة – حق الإكراه واستخدام القوة الجبرية. فالتاريخ يعلمنا أن النفاق يأتي مع الحكومة (السلطة) والفساد يأتي معها أيضا. ولذا فالحكومة لا يحبها المواطن في أي مكان. حسناً، لكن الحكومة في السعودية أو بعض الدول المشابهة يتضاعف دورها في ظل غياب مؤسسات رديفة كالبرلمانات التي تعني بالتشريع وسن القوانين والأنظمة من ناحية، والمراقبة والمحاسبة والمسائلة من ناحية أخرى. مما يُعَظِّم من دور الحكومة في السعودية التي تشرع وتسن القوانين والأنظمة والتنظيمات وتراقب وتحاسب في نفس الوقت، ويصبح فيها بالتالي “الخصام وهي الخصم والحكم”. ومع تعاظم الدور وزيادة الإحتكاك بين الحكومة والمجتمع تتعاظم الكراهية بين المواطن والحكومة. لا بأس، لكن الذي ينبغي لوزرائنا الأعزاء إدراكه بالإضافة الى الوضع المختل لدور الحكومة المتعاظم: (1) أنها المرة الأولى التي يدخل المجتمع السعودي تجربة التقشف؛ (2) وهو أمر بالغ الحساسية والخطورة، أن إرتباط الحكومة وثيق بولاة الأمر. ماذا يعني هذا؟ يعني أن التشاؤم في المجتمع والكراهية لعمل الحكومة التي تعتبر أمر طبيعياً في سائر الدول، سيؤثر سلباً على العلاقة بين الشعب وولاة الأمر. مما يعني أن إستمراء الوزراء وإستمرار الحكومة في الأخطاء سيؤدي إلى شيء من التئآكل التدريجي أو نقص في حجم ووزن العلاقة بين ولاة الأمر والشعب.

 

تخطيء الحكومات في كل العالم، ويرتكب الوزراء حماقات لا حدود لها في كل الحكومات، ويكرهها المجتمع على الدوام ثم تعود العلاقة وهكذا مد وجذب. لكن في حالة مشابهة للسعودية الأمر حساس ويجب على الوزراء التنبه لمثل هذه الحساسية، كما يفترض بولاة الأمر الإسراع بعدد من الإجراءات التي تبقي على العلاقة الوثيقة مع الشعب، على الأقل، إن لم تزيدها وتحفظها بعيدة عن تجاذبات المد والجزر. الولاء المنقطع النظير من الشعب السعودي لولاة الأمر هو الذي مرر أخطاء الحكومة خلال العقود الماضية، كما أن ذات الولاء هو الذي أعطى جرعة الأمل لرؤية 2030 التي يقودها الأمير الشاب الطموح. ومن هنا يتوجب على الوزراء الأعزاء أن لا يخطئوا في حق ولاة الأمر وأن لا تنسيهم مشاغلهم وإستغراقهم أو غرقهم في التفاصيل، الإستهانة بقضايا حساسة مثل سيكولوجية العلاقة بين المجتمع والحكومة وإنعكاس ذلك سلباً على العلاقة بين ولاة الأمر والشعب الذي يعتبر أمر بالغ الخطورة ويجب التنبه له. فالدول تمر بثلاث مراحل أولها “السخرية” التي نجزم بأن المجتمع السعودي قد بلغها إن لم يكن تجاوزها الى المرحلة الثانية التي تتمثل في “السخط” والتذمر الذي نأمل أن يكون مؤقتاً، ثم المرحلة الثالثة التي لا يتسع المجال لذكرها.

 

أخيراً، لا يهم أن تتعثر أو تفشل رؤية 2030 فوجود رؤية أفضل (1000) مرة من عدم وجود رؤية، ولا يهم خفض الرواتب ودخل الموظف في القطاع الحكومي أو الخاص وإرتفاع سبل المعيشة بالرغم من ثقل ذلك وصعوبة تقبله. ولا يهم إنخفاظ أسعار النفط، ولا تهم الحروب والأزمات السياسية. المهم والمطلوب هو أن يشعر الجميع بالشراكة الحقيقية الصادقة بين منظومة: الدولة والحكومة والمجتمع والمواطن، فإن كان هناك من شراكة حقيقية فلابد إبتداءاً أن يتم التشارك في المعلومة بكل شفافية وصدق وصراحة، فالوطن للجميع. ولذا نقول لكل الوزراء أخطأتم بحق ولاة الأمر، وأخطأتم في حق المجتمع، وأخطأتم في حق مناصبكم، وأخطأتم في حق أنفسكم، فأخرجوا إلى المجتمع، وتحدثوا معه، وإستمعوا وأنصتوا إليه، وقولوا له قولاً ليناً جميلا، وقولوا صدق ممل وليس كذب مشوّق، ربما سيغضب قليلا ثم يرضى، ثم يغضب لكنه سيعود فيرضى. الأكيد، أنه سيحترمكم أكثر، ويتشارك معكم أكثر، بولاء وإنتماء أكبر. ختاماً، أما نحن معشر الكتاب فسنتمثل ما قالته الكاتبة د. إيمان المومني في مقالها الجميل اليوم في صحيفة الشرق وسنترك للجميع قراءته من مصدره بتمعن بعنوان “اكتب ..دون توقف”. حفظ الله الوطن.

 

كاتب سعودي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات