كتاب 11

02:10 مساءً EET

الكونغرس.. أخطاء وتخرصات

553 أميركيا هم أعضاء الكونغرس الأميركي (السلطة التشريعية) يأتون من كل فج عميق من جميع الولايات، نائبين من كل ولاية من الولايات الخمسين أي 100 عضو يشكلون مجلس الشيوخ، و453 يشكلون النواب الغرفة الثانية في الكونغرس.
مؤخرا مررت الإدارة (إحدى مؤسسات السلطة التنفيذية) للكونغرس رسالتين إحداهما لمنعه من إقرار قانون جاستا، والثانية (تبشره) بأنها أوقفت صفقة بيع طائرات إف 16 للبحرين، ما لم ترفع البحرين يد القانون عن «عملاء إيران» وتطلق سراحهم وتوقف محاكمتهم (بلومبيرغ).
اللافت للنظر هو الكيفية التي تمرر بها الإدارات الأميركية المتعاقبة مشاريعها الخاصة بسياستها الخارجية على الكونغرس، ولنقف عند موضوع البحرين، الإدارة الأميركية وضعت في رسالتها الموجهة للكونغرس معلومات جاءت وكأنها واردة في عرض الرسالة، لكنها تعلم أن تلك المعلومات سيكون لها تأثير كبير على توجيه القرار في الكونغرس – إن صدقها – ومرت دون استفسار!!
فالرسالة ذكرت أن الشيعة يمثلون الغالبية، وأن جمعية الوفاق تمثلهم، وأن عيسى قاسم هو زعيم الغالبية، مررت الإدارة تلك البيانات لتؤثر على الكونغرس لتبني ذات القرار.
الإدارة الأميركية تعرف أنه كم عضوا من أصل 553 سيراجع تلك البيانات؟ من منهم سيسأل عن مصدر معلومة (الشيعة أغلبية في البحرين)؟ من أجرى هذا الإحصاء؟ ومتى؟ من مِن الـ553 سيسأل هل فعلا جمعية كجمعية (الوفاق) تمثل شعب البحرين؟ بناء على أي أساس وردت تلك المعلومة؟ من مِن أعضاء الكونغرس سأل عن علاقة هذه الأسماء بإيران؟ الذي تعرفه الإدارة الأميركية جيدا أن المدعو عيسى قاسم هو أنه يتصرف وكأنه الممثل لخامنئي في المجمع العلمائي – كما يسمونه – ممثلا عن البحرين، فهل ذكرت هذه الحقائق في الرسالة الموجهة للكونغرس؟ هل ذكر في الرسالة أن هؤلاء هم من أعلن محسن رضائي رئيس الحرس الثوري الإيراني أنه لن يتخلى عنهم؟ ما وصل للكونغرس أن الإدارة تنتصر لغالبية مضطهدة!
واقع العلاقة بين الإدارات الأميركية ومؤسساتها التنفيذية من جهة كسلطة تنفيذية والكونغرس كسلطة تشريعية معقد، استطاعت فيه الإدارات الأميركية المتعاقبة استخلاص قرارات مصيرية تمس شعوب العالم من الكونغرس عن طريق تمرير معلومات محددة وإخفاء أخرى وتزوير أخرى – نعم تزوير – أخرى، فكلما أرادت أن تقنع الكونغرس أو الرأي العام أنها إنما تدافع عن حقوق الأغلبية، أو تدافع عن حقوق المظلومين أو المضطهدين، أو تطارد الإرهابيين حماية للأميركيين، تبريرا لفعل خارجي، فإنها تمرر ما يخدم هذا الهدف وتخفي ما يضر ذلك الهدف.
فهل قصة البحرين هي المثال الوحيد على اللعبة التضليلية التي تمارسها الإدارات الأميركية المتعاقبة على الكونغرس، حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية؟
شيطنة المملكة العربية السعودية عمل دؤوب قامت به الإدارة الأميركية الحالية لغرض معين، لعقيدة معينة، كما سبق أن شيطنت الإدارة السابقة العراق، حين أرادت استخراج قرارات من الكونغرس تخدم أهدافها تبرر غزوه واحتلاله، عمل شاركت فيه جميع مؤسسات السلطة التنفيذية الموالية للرئيس حتى تقتنع السلطة التشريعية وتمرر له ما تشاء من قرارات تؤثر على السياسة الخارجية.
الأسبوع الماضي كشفت مؤسسة «رون بول» على موقعها الإلكتروني عن قيام «البنتاغون» و«الاستخبارات الأميركية» بخداع الشعب الأميركي والكونغرس الأميركي من عام 2006 إلى 2011. بمعلومات مفبركة عن العراق تبرر استمرار غزوه واحتلاله، وذلك بتكليف شركة للعلاقات العامة بريطانية الجنسية تدعى «بيل بوتينغر» صناعة أفلام مفبركة عن «تنظيم القاعدة» في العراق، وجعل الفيلم المفبرك يبدو كأنه منقول عن قناة عربية، ودفع البنتاغون للشركة مبلغا يقارب نصف مليار دولار.
الموظف السابق في شركة «بول بتينغر» ويلز كشف النقاب للصحافة الاستقصائية الأميركية التي نقل عنها الموقع المذكور تفاصيل هذه الفضيحة، كيف نقل إلى بغداد خلال 48 ساعة وطلب منه تصوير المقاطع حسب طلب الشركة بممثلين حقيقيين، ومن ثم تم تحميل الفيديوهات المصورة على شبكة الإنترنت، وبعد ذلك تم رصد التقاطها في إيران وسوريا والولايات المتحدة، وكأن العملية «غسل مصادر» على وزن غسل أموال، حتى لا يتبين المصدر الرئيسي لتحميل هذه المقاطع، وكان طلب الشركة أن يصور الفيديو بتقنية ضعيفة ومدة الواحد منها لا تزيد عن عشر دقائق ويحمل على شبكة الإنترنت بحيث يكون متوفرا للباحثين بسهولة على مشغل البحث «غوغل» ليبدو وكأن قناة عربية هي من حملت هذا الفيديو!! وهكذا اقتنع الشعب الأميركي وممثلوه في الكونغرس أن الحرب على العراق كانت في صالح الأمن القومي الأميركي، وها هم اليوم يفبركون ويدعون بأن السعودية من الدول الراعية للإرهاب، مثلما اقتنع بأن مشكلة البحرين حقوق إنسان!!
مشكلة الكونغرس الأميركي حين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية أنه كما قال دانيال دريزنر في «واشنطن بوست» الذي نشرت «الشرق الأوسط» مقاله، غير مهيأ لتولي السياسة الخارجية وحماقته هي التي قادت إلى إدراك خطأ التصويت على «جاستا» في اليوم التالي، ما صرح زعيم الأغلبية ميتش ماكونيل في اليوم التالي «أعتقد أن الأمر كان يحتاج إلى المزيد من النقاشات»!!

التعليقات