كتاب 11

04:29 مساءً EET

الكتّاب في السعودية و الجمس الأسود

من المحزن كثيراً أن يقرأ المرء تعليقات بعض العامة تنذر وتحذر الكتّاب من سطوة السلطات الأمنية و”زوار الفجر” و”الجمس الأسود”، وكأن السعودية دولة أمنية أو بوليسية أو قمعية تنتمي إلى الدول الثورية في حقبة الخمسينات والستينات الميلادية. الجمس الأسود، بالمناسبة، هو كناية عن هجوم السلطات الأمنية على المواطنين وبيوتهم على طريقة “خذوه فغلوه”. هذه الصورة الكاذبة وهذا التضليل الذي يسوّقه البعض، عن حسن أو سوء قصد، هو تشويه خطير للدولة حكاماً وحكومة ومؤسسات ومجتمع، وهو أخطر بكثير من كلمة في مقال ناقد هنا أو هناك حتى لو كانت درجة النقد في المقال أكثر من (7) درجات على مقياس “ريختر”. سقف حرية الرأي في السعودية عال، ويتزايد علواً يوماً بعد يوم نتيجة عدة أسباب: (1) وعي القيادة بأهمية النقد في ظل ديناميكية التغيير في الدولة ومؤسساتها في الحكم والحكومة؛ (2) الوعي المتنامي والمتواصل والمتسارع والمتعدد للشعب وبخاصة الأجيال الجديدة؛ (3) المفاهيم الخاطئة والمغلوطة لدى كثير من العامة حول ماهية ونوعية وصياغة الرأي والنقد؛ (4) عدم كفاءة أو كفاية الوسائل الإعلامية المسموعة والمقرؤة والمرئية وضعف رؤساء تحريرها. يقول أستاذنا محمد الرطيان: “الأوطان التي لا تقبل النقد تترهل.. النقد عافية، وغيابه مرض”. ونقول نحن: أن الدول والحكومات التي لا تقبل الكلمة الناقدة مهما بلغت قوتها هي دول وحكومات من ورق.

 

ندرة المقالات الناقدة التي لم تظهر عيوب الدولة أو الحكومة أو الوزراء في الماضي، لا يعني ملائكية الدولة أو مثالية الحكومة أو نجاح الوزراء حينذاك. كما أننا اليوم أمام دولة كالسعودية بمفهوم ديناميكي جديد في كافة المجالات: الحكم والحكومة والحوكمة والمحكوم. الملك سلمان يدرك ذلك قبل أي مسئول وهو القاريء الجيد للصحف والمتابع الحصيف للإعلام، ومن يستمع لمقطع الڤيديو الذي تحدث فيه الملك عند زيارته للمدينة المنورة عن التعامل مع الأراء المختلفة يدرك “منهج الملك سلمان في الإعلام”، وكيف يرى الملك التعامل مع الرأي والرأي الأخر. الأكثر من ذلك، أن الملك سلمان إجتمع بالكتاب والمثقفين مؤخراً وأبلغهم بصريح العبارة أن لا باب موصد أمام الرأي والنقد وإظهار العيوب، ودعى لمن يفعل ذلك بالرحمة، بقوله: “رحم الله من أهدى إلي عيوبي”. فهل يكفي توجيه الملك لحث الكتاب والمثقفين على التركيز على مكامن الخلل والعيوب؟ ولي ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، أيضاً، خاطب الإعلاميين عند أول إجتماع قبل إطلاق رؤية 2030 بجملة تختصر كل شيء: “نحتاج نقدكم قبل ثناءكم”. وزير الثقافة والإعلام صرح بدوره في مقابلة مع سكاي نيوز العربية، بأن من حق الكاتب في السعودية أن ينقد أي وزير وينتقد أي وزارة وخدماتها من دون أن يتعرض للملاحقة. فلماذا يغلب على أذهان العامة موضوع الجمس الأسود؟

 

صحيح أن بعض الكتاب يعانون من تمرير بعض مايكتبونه عبر”الرقيب” الحقيقي أو الوهمي الذي زرعه رؤساء تحرير الصحف على مدى الوقت عن قصد لكي يرتاحوا من “القلق” ووجع الرأس، ويتمتعون بشيء من الحظوة (البرستيج) عند بعض المسئولين. وصحيح أن معظم الصحف السعودية الورقية بشكل خاص، مليئة بكثير من الغثاء والزبد الذي سئم منه المتلقي، لكن ذلك سيتلاشى وسيزول مع الوقت والأحداث، فالقاريء والمتلقي، سئم تلك المقالات الرتيبة التي تستند على مزيج من التضليل والتطبيل في وقت أحوج مايكون فيه الوطن لنقد صادق. فالكلمة والرأي والنقد والكتابة وبالتالي الصحف هي بضاعة إن أُهملت كسدت. ظهور الصحف الألكترونية، أيضاً، ألغى كثير من هيمنة الصحف الورقية وسيدفعها إلى الإفلاس أو تغيير منهجها، وخاصة في السعودية. المثير، أن وجود “تويتر” الذي يعتبر أكبر صحيفة تفاعلية في العالم أجهز وقضى على الصحف الورقية والألكترونية على حد سواء. وبدأت العلاقة التبعية تتحول شيئاً فشيئا من سيادة المنابر الإعلامية التقليدية إلى المتلقي والقاريء. أن تكون السعودية أول دولة في العالم في استخدام “تويتر” فهذا يعطي دلالات كثيرة من أهمها ان السعودية ليست دولة بوليسية أو قمعية أو تؤمن بهيمنة الجمس الأسود.

 

ألغى “تويتر” كثير من المفاهيم التقليدية في الصحافة والإعلام والإتصال الجماهيري، ومنصات الرأي والحوار وإدارة الحشود والرأي العام أيضاً وخلق حالة جديدة تعيد التفكير في كثير من المفاهيم التقليدية. إذ يمكن لأي مراقب أن يتعرف على نبض الشارع السعودي بكل أطيافه وطوائفه بمجرد إطلالة سريعة على تويتر. يغرد الشارع السعودي، ويُحدّث، ويُفتي، ويحاضر، وينتقد، ويحتج، ويزعل، ويرضى، ويتظاهر، ويؤلِّب، ويحرّض، ويختلط، ويحاور، ويناقش، ويغازل، ويواعد، ويختلي، ويسوّق، ويعلن، ويبيع، ويشتري، ويكذب، ويهايط، ويخوّن، ويصنف، كله في تويتر حتى بات منصة كل شيء وألغى وسيلغي ويجدد كثير من المفاهيم. تغريدة سلبية واحدة يعاد تغريدها مئات بل ألاف المرات ويشاهدها عشرات او مئات الألاف إن لم يكن ملايين خلال ساعات أو أيام، وربما من حساب مجهول، تتفوق على عشرات المقالات التي تمر عبر سلسة طويلة من “الكبسلة” (وضعها في كبسولة) لكي تفلت من مقص الرقيب أو يتجرعها رئيس التحرير. ولذا إستدركت السعودية ذلك بوضع الأنظمة والقوانين التي تكفل حرية التعبير مع أهمية الإنضباط وعدم التعدي والتجريح الشخصي، من دون حاجة للجمس الأسود.

 

إعتاد كثير من القرّاء في الماضي على مقالات تشكل المقدمة والحواشي واللف والدوران أكثر من (95%) من مساحة المقال وما تبقى مزروع بين السطور إعتماداً على مقولة “اللبيب بالإشارة يفهم”. ولذا فإن أي مقال مباشر بلغة ومفردات مباشرة وقاسية أحياناً قد يشكل صدمة للبعض. ولذا يحاجج البعض بأن النقد مطلوب ولكن لابد من إختيار التوقيت، وحكاية التوقيت كذبة، إستدعت أستاذنا الكاتب خالد السليمان أن يكتب مقال محكم حول “التوقيت”، يجادل فيه بأنه منذ أن عرف نفسه كاتب وقضية “التوقيت” حاضرة تتكرر. ونسأل هنا أولئك المحاججين بالتوقيت: هل سيصدر قرار من الدولة أو الحكومة يقول: يامعشر الكتّاب آن الأوان للنقد فانطلقوا؟ من ناحية أخرى، يظن البعض أن أنتقاد الحكومة أو الوزراء أو أدائهم هو خروج عن التقليد، وهذا صحيح ولكنه مطلوب وضروري. كما يظن البعض أن إنتقاد أداء الحكومة في سياستها الخارجية أمر محرم أو محرج، وهذا غير صحيح. فالحكومة هي الحكومة وقراراتها الخاطئة أو الغير مناسبة، أو مايظنه الكتّاب خطأ أو غير مناسب، يمكن نقده في الخارج مثلما يتم نقد قرارات وممارسات الحكومة في الداخل. فإذا جاز لدى البعض نقد إرتفاع تسعير فاتورة المياه، على سبيل المثال، في الداخل، فإن ذلك يندرج تماماً على نقد إرتفاع تسعيرة الحرب أو الممارسات في الخارج، سواء بسواء. فلا مكان للجمس الأسود.

 

تسير السعودية مع ركب الأمم، وتتغير فيها أمور كثيرة منذ مجيء الملك سلمان إلى الحكم، وسيتكاثر ويتسارع التغيير مستقبلاً. دخلت السعودية مرحلة غير مسبوقة في كل شيء، تقريباً، ويمكن توصيف ماهية المرحلة بأنها “إعادة هيكلة المفاهيم” في: السياسة والدين والمجتمع، وهذا يعني أمر واحداً فقط، وهو أن السعودية أمة حيّة. هنا نجزم بأن كل سعودي وطني مخلص، ذكراً كان أو أنثى، يتمنى أن تكون السعودية الأفضل، والأكمل، والأجمل، والأقوى، والأحسن، في كل شيء. كما نجزم، ويجزم معنا الجميع من دون إستثناء، بأن السعودية لم تبلغ حتى الآن تلك الدرجة المثالية من الكمال مهما تغنينا بحبنا للسعودية ومهما “هايط” البعض منا “بحب الخشوم أو دق الخشوم”، فالمشوار طويل ومعقد وفيه الكثير من العوائق والعقبات. ومادام أن السعودية لم تبلغ تلك الدرجة المثالية، فلا مناص من كتاب تقودهم وطنيتهم وحسن قراءتهم إلى النقد وإظهار العيوب مهما تضاءلت، وإستخدام كافة الصيغ والمفردات مهما تعاظمت. فلن ينفع السعودية أو يصلحها أمر أكثر من نقد الذات حتى لو أطلق عليه البعض صفة جلد الذات. والدولة والحكومة يدركون ذلك خصوصاً مع منع المظاهرات والإحتجاجات والإعتصامات وعدم وجود برلمان شعبي منتخب، وتعطل وجود حوار وطني شفاف، كل ذلك يزيد من أهمية الكتّاب ونقد الدولة وأداء الحكومة. من دون حاجة للجمس الأسود.

 

يصنف كثير من العامة بعض الكتاب بتصنيفات عديدة تتمحور حول التخوين في الوطنية والدين. وهنا نجادل بأن للوطن أكثر من (20) مليون نسخة، بعدد السعوديين، فكل مواطن يرى وطنه من زاوية قد تختلف بين الإبن وأبيه. الوطنية مشاعر عاطفية بحتة يختلف التعبير عنها من شخص لآخر، لكنها تحمل إشكالية قد تبدو غير واضحة أو متضادة عند البعض. أن الوطنية يمكن خلعها (إضفائها) على من نحب، لكن لا يمكن خلعها (نزعها) عن من نكره. المثير أن مشاعر الوطنية تزداد خلال الأزمات والحروب وذلك أمر طبيعي. فعند الأزمات والحروب يشكل عامل الخوف عنصراً سلبياً في المجتمعات، لكن ذلك أدعى لإرتفاع حجم ومستوى النقد وسقف حرية الرأي. فالعلاقة طردية بين مستوى الأزمة ومستوى النقد لأنه -أي النقد – يشكل العنصر الوحيد المطمئن للرأي العام. الغريب، أن الخطأ الأكثر شيوعاً في المجتمع السعودي نتيجة الممارسات الإعلامية الخاطئة في الماضي، أن كل من ينتقد الحكومة اليوم أو أدائها هو ضدها، بمعنى أما أن يمدح الكاتب أداء الحكومة، أو يمسي ذلك الكاتب عميل وخائن، ولذلك يستحق، في نظر المختلفين والمتخلفين والمرجفين، أن يحصل على زيارة من الجمس الأسود.

 

أخيراً، الجمس الأسود موجود في السعودية للإرهابيين والمهربين والمجرمين والخلايا النائمة التي تعبث بالأمن والنظام. السعودية دولة قانون مهما حاول البعض تشويه صورتها بناء على أساطير وإشاعات يطلقها البعض عن جهل أو غباء. أما الكتّاب الذين يجاهدون بالكلمة لمصلحة الوطن في نقد الدولة والحكومة والوزراء وأداء الوزارات في العلن وبكل شفافية وجرأة فهم من ستثبت الأيام أنهم يملكون الوطنية العالية وفي الطريق الصحيح. الكاتب لديه مهمة واحدة فقط لاغير، تتلخص في البحث عن السلطة – أي سلطة –  ونقدها، سواء كانت تلك السلطة إدارة مدرسة، أو نادي، أو شركة، أو وزارة، أو دولة. ولذا، لا قيمة لأي كاتب أو مقال خارج إطار النقد وإظهار العيوب. ليس مطلوب من الكتّاب تقديم حلول مطلقا فتلك مهمة المستشارين، وبالتأكيد ليس مطلوباً منهم تقديم المديح وإظهار الإيجابيات فذلك مهمة شركات العلاقات العامة. ختاماً، تزداد مهمة وقيمة الكتّاب والنقد مع كل يوم تنمو فيه السعودية لأن النقد نصيحة، والدين كذلك. النقد رأي وطني صادق، يقول عنه المتنبي: الرأي قبل شجاعة الشجعان .. هو أول وهي المحل الثاني. حفظ الله الوطن

 

كاتب سعودي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات