كتاب 11

03:06 مساءً EET

لماذا لا تتواصل الحكومة مع الشعب؟

يبدو أن قواعد الإشتباك في حرب اليمن قد تغيّرت. فبعد أن كانت الإشتباكات حدودية، سقط قبل أيام صاروخ بالستي قرب مدينة الطائف ولم تحدث خسائر مادية أو بشرية، على حد علمنا، ولله الحمد. لكن المزعج ليس سقوط الصاروخ، وليس الخسائر المادية أو البشرية، إن حدثت لا سمح الله، فالسعودية في حالة حرب وهذا متوقع. المزعج هو الصمت المطبق من الحكومة والجهات المعنية الذي لا يقتصر على صواريخ بالستية عابرة للحدود أو النواحي العسكرية، بل شمل ذلك كثير من القضايا السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية التي تحدث في الفضاء السعودي مؤخراً. لم يكلف محافظ الطائف أو أمير منطقة مكة المكرمة نفسيهما بالظهور للسكان المحليين وطمأنتهم وإرشادهم إلى ما يجب عليهم فعله من إجراءات وتدابير وقائية في حال تكرار ذلك، أسوة بما حدث إبان عاصفة الصحراء، من ناحية. كما لم يكلف مجلس الشئون السياسية والأمنية أو مجلس الشئون الإقتصادية والتنمية أنفسهم، أيضاً، عناء تعيين متحدثين لتنوير المجتمع عن ما حدث أو سيحدث من تغيرات سياسية إقليمياً ودولياً، أو تبعات وماهية قرارات إقتصادية سابقة أو لاحقة تمس حياة وعيش ومستقبل المواطن، من ناحية أخرى. الكل يلوذ بالصمت أشبه ما يكون بحالة التعتيم، وكأن هناك من يقنع المسئولين أن السكوت أرحم وأسلم وأفضل. لكن ما نجادل به لأولئك الداعمين للتعتيم هو أن الشفافية والصدق والوضوح وتبيان الحقائق في كل ماله علاقة بالشعب والمجتمع كلياً أو جزئياً داخلياً أو خارجياً هو الأفضل.

 

السعودية تعيش حالة حرب مع اليمن ولذا فإن من الطبيعي والمتوقع سقوط عشرات الصواريخ البالستية على عدد من مدن المملكة. كما نجزم بأن عدد الصواريخ البالستية التي تصدها الدفاعات الأرضية قبل دخولها المجال الجوي أو وصولها الى أهدافها المُحتملة في السعودية أضعاف أضعاف ما يسقط. لكن توعية المواطنين والمقيمين في مناطق محتمل إستهدافها أمر ضروري ومطلوب. ترسانة الصواريخ البالستية اليمنية المتبقية لدى علي عبدالله صالح ذات تقنية بدائية وقديمة وهي أشبه ما تكون بالرصاصة الطائشة، لكن ذلك أدعى لإتساع محيط دائرة الخطر. فسقوط صاروخ بالستي “غشيم” على مناطق آهلة ومكتظة بالسكان أمر فيه الكثير من الفزع إذا لم يكن هناك تحضير وتوعية مسبقة. سقط الصاروخ البالستي الحوثي على مسافة (50) كم، تقريباً عن مدينة الطائف، وقرابة  (100) كم عن مدينة مكة المكرمة، وقرابة (200) كم عن مدينة جدة. البدائية وعدم الدقة في الأسلحة الصاروخية متوسطة أو بعيدة المدى يعني أن إنحراف درجة أو درجتين عند الإنطلاق كفيل بتغيير نقطة الإرتطام عشرات أو مئات الكيلومترات.  فهل التعتيم والصمت أفضل، أم توعية السكان وإتخاذ كل الإحتياطات اللازمة على مبدأ “إعقلها وتوكّل”.

 

من ناحية أخرى، أطلق مجلس الوزراء السعودي قبل أسابيع قرارات مست مداخيل جميع موظفي القطاع العام، ومع ذلك لم يخرج مسئول قبل أو بعد صدور القرارات يشرحها ويفندها وهي تقتطع قرابة (30%) من دخل الموظف مما سيحدث هزة كبيرة في معيشته وحياته بشكل عام. أقر مجلس الوزراء أيضاً، التحوّل من التقويم الهجري إلى التقويم الميلادي فجأة مما ينتقص قرابة (3%) من دخل الموظف سنوياً، ومع ذلك لم يكلف وزير الخدمة المدنية نفسه عناء الظهور وشرح كثير من تبعات هذا القرار، وهل إعتماد التقويم الميلادي في دفع الأجور سيندرج على إحتساب العمر على أساس التقويم الميلادي والذي ينعكس على سن التقاعد؟ تتعدد القرارات الحكومية في هذا الصدد مثل الرسوم البلدية، والتعديل في رسوم المخالفات وأنظمة المرور، وكلفة التأشيرات، وقضايا أخرى والتعتيم يكاد يكون سيد الموقف. كما يتوقع المزيد من القرارات التي تمس المواطن في شتى المجالات ولا نظن أن إحتجاب الوزراء والمسئولين عن التواصل مع المجتمع هو أسلوب جيد، وترك الأمر للتخرصات في مقالات كتاب لا يملكون المعلومة أو تغريدات مشتتة في “تويتر” أو مقاطع ومقتطفات تتناقل عبر “الواتس”.

 

في السياسة الخارجية لا يختلف الأمر كثيراً، فسياسة التعتيم لا تزال هي السائدة مما يسمح بكثير من اللغط والإشاعات. لا أحد يجيب على الألف سؤال وسؤال الذي يعشش في أذهان المجتمع. فوزير الخارجية يتولى التصريحات والرسائل السياسية بشكل أحادي ومقتضب وبمصطلحات منتقاة بحذر، وهذا ما يتطلبه العمل الدبلوماسي أحياناً، لكن المواطن يعيش شيء من القلق والحذر على كافة المستويات. كان المأمول، أن يخص وزير الخارجية أكثر من وسيلة إعلامية سعودية بأحاديث ولقاءات حصرية يجيب فيها على تساؤلات المجتمع مهما كانت. وكان المتوقع أن تتولى وزارة الخارجية مبادرة توعية المجتمع عبر ندوات ولقاءات ومناقشات يحضرها كل مهتم لمعرفة ما يجري حولنا وأين وصلت علاقة السعودية مع: اليمن، والخليج، وإيران، والعراق، وتركيا، وسوريا، ولبنان، وإسرائيل، ومصر، وأوروبا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، وروسيا، والصين، في ظل بحر متلاطم الأمواج. يظن البعض أن الإعلام السعودي الأحادي والمتحفظ جداً، هو المصدر الوحيد للمعلومة لدى المواطن، كما كان الأمر قبل نصف قرن من الزمان. لم يستوعب البعض أن المجتمع السعودي أصبح أكثر وعياً وثقافة وعلماً وتتبعاً لكافة وسائل الإعلام بلغاتها ومصادرها المتعددة والمختلفة. كما أن البعض يجادل أن حجم ثقة المجتمع يتجه إلى التناقص مع المصادر التقليدية المحسوبة على الإعلام الرسمي السعودي، ولذا فإن المواجهة المباشرة مع المجتمع والشرح والتفنيد لمجمل ما يجري على الساحة السياسية الخارجية فيه الكثير من الفوائد للحكومة والمجتمع على حد سواء.

 

أخيراً، السعودية دولة ديناميكية في سياستها الخارجية والداخلية ومطلوب من الحكومة إستيعاب هذه الديناميكية وشرحها وتفنيدها للمجتمع بأسلوب مبسط وواضح والرد على إستفسارات المواطن وإستشكالات النخبة في المجتمع. تغيير قواعد اللعبة (الإشتباك) في حرب اليمن ومواجهة خصم جاهل يطلق صواريخ بالستية “غشيمة” بدائية وغير دقيقة قد يُحدث كارثة في الطائف أو مكة المكرمة أو جدة أو الرياض أو الدمام أو أي مدينة آهلة بالسكان وعندها لا ينفع الندم. الشعب السعودي يثق بقيادته وبقواته المسلحة وحرص الجميع على حماية السعودية من أي هجوم بري أو جوي أو بحري، وحرص القيادة على عدم إشاعة الذعر والخوف لدى السكان. لكن الإحتياط واجب ويؤدي في أضعف الحالات إلى التضامن والتماسك بين كافة سكان السعودية، فسكان الطائف ومكة المكرمة وجدة وبقية مدن السعودية ليسوا أفضل أو أغلى أو أهم من سكان نجران وجازان وعسير. ختاماً، الشفافية والصدق والوضوح بين الحكومة والمجتمع هو أمر إيجابي في كل مناحي الحياة. حفظ الله الوطن.

 

كاتب سعودي
[email protected]
@Saudianalyst

التعليقات