كتاب 11

03:25 مساءً EET

أبعدَ جرائمها نتحمل وزر سقوطها؟

حين اشتد الخناق على النظام السوري بعد الضربة الأميركية وعاد الحديث عند اللاعبين الأساسيين عن إزاحته وإسقاطه من جديد، علت نغمة جدلية معتادة كانت خافتة طوال الأزمة السورية، نغمة تذكرنا بالندم لسقوط النظام العراقي وتقديم العراق لقمة سائغة لإيران، تحذرنا بتكرار السيناريو دون أن نتعلم، وأننا سنندم على قبولنا التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية على إسقاط النظام السوري لذات السبب، فإيران ستكون هي المستفيد الوحيد من الفراغ الأمني السياسي السوري إن حدث، كما كانت هي المستفيد من الفراغ العراقي بعد أن حدث.
علينا أن نفرق أولا بين الأوراق الكثيرة المخلوطة هنا، فهناك ورقة التهديد الأمني لدول الخليج، وهناك نظرية «المشروع الأميركي» لتسليم إيران سوريا بعد العراق، فلا فرق بين الإدارتين الأميركيتين السابقة والحالية إلا بالأسلوب فحسب، إنما المشروع ما زال قائما.
لنضع جانبا مأساة الشعب السوري، ومن قبلها معاناة الشعب العراقي، ونصدق أن هناك «مبالغة» فيها، فلا الأسد قتل نصف مليون، ولا الأسد ألقى بالكيماوي على الأطفال، ولا هجر عشرة ملايين سوري، لنسلم جدلا بأن تلك القصص جميعها مبالغات وفبركات إعلامية غربية لتبرير إسقاط النظام السوري بمساعدة عربية، لننظر فقط للمعطيات الواقعية التي لا تحتاج لإعلام غربي يبالغ فيها كي تخيفنا ونشعر بخطرها.
الأولى هي الضرر الذي تسبب به نظام الأسد ومن قبله نظام صدام على أمن الدول الخليجية، دعك من ضررهما على شعبيهما أو خلافهما معهما أو حتى حقيقة الثورة ضدهما، لنصدق أن ذلك كله غير حقيقي، سنتحدث من منظور الخطر الذي تسبب فيه هذان النظامان على أمن دول الخليج واستقرارها فحسب، وهذا المنظور كاف لوحده أن يجعلنا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما معالجته فورا أو التغاضي عنه، وقد تغاضت دول الخليج عن كل عنجهيات صدام وقدمت له كل ما تستطيع من أجل دعمه في حراسته للبوابة الشرقية، فماذا كان جزاؤها؟ غزى إحدى دولها ودخل عقر دارها وهددها جميعا، وذلك الخطر ليس وهماً ولا فبركة ولا قصصاً مبالغا فيها حاكها الإعلام الغربي وبالغ فيها من أجل الإطاحة بالنظام العراقي السابق، حتى يقنعنا أن صدام خطر علينا من أجل استدراجنا والقبول بالمساعدة لإسقاطه، بل كان الخطر واقعاً ومعيشاً.
أما النظام السوري فقد أدخل علينا كل المهددات لأمننا في المنطقة، بدءا من إيران مرورا بحزب الله والميليشيات الطائفية المسلحة الأخرى التي ترعاها إيران، وخلق ورعى «داعش» التي لم تهاجمه أبدا، بل هاجمت وهددت دول الخليج، إذن النظام السوري أصبح يرعى مهددات أمن الخليج مباشرة، ولا ذرة شك في ذلك.
أمن دول الخليج ورقة يجب أن تعالج بمعزل عن من المستفيد من سقوط النظام السوري، وتعالج بحلول واقعية لا بترف السفسطائيين، بقاء النظام السوري يعني باختصار تمركز الوجود الإيراني وتمدده إلى البحر المتوسط، ولا يمكن أن نتحدث عن أمن واستقرار للمنطقة في هذه الحالة.
إسقاط النظام العراقي كان لتهديده أمن الخليج، لا لتهديده أمن إسرائيل كما يروج البعض أن خطأ صدام هو إطلاقه صاروخاً يتيماً على إسرائيل لم يحدث ضرراً، ولو أنه لم يطلق الصاروخ على إسرائيل لبقي إلى الآن في موقعه.
بل خطؤه الجسيم كان تهديد أمن الدول الخليجية، وكذلك يفعل الأسد، وما يحز في النفس أن ذلك الاعتبار ليس محسوباً عند الكثير من «المثقفين» العرب أو فلول البعثيين والقوميين، ما زال أمن الخليج مسألة ثانوية بالنسبة لهم، وبعضهم محسوب على أنه «خليجي»!! ما يهمه هو الاحتفاظ برعاة وحماة «العروبة» بأي ثمن، وكأن الدول والشعوب الخليجية دخيلة على القومية العربية، وأمنها يجب ألا يكون سبباً كافياً لنتحرك من أجله.
صحيح أن دول الخليج – في الحالة العراقية – لم تحسب حساب المشروع الإيراني، وتركت للعراقيين تحديد مصيرهم بأنفسهم، معتقدة أن للعراقيين وحدة مصيرية واحدة، ولم تظن أن إيران ستجرؤ على التدخل في العراق من خلال ميليشياتها المسلحة وحكومة عراقية ضعيفة، وهذا ما يجب تداركه في الحالة السورية، حتى لا يتكرر السيناريو مرة أخرى.
ما الحل حتى بعد الأخذ في الاعتبار، وبشكل واضح أن هناك مشروعا لإعادة رسم خريطة المنطقة، وتقسيم دولها من بعد إسقاط أنظمتها الواحدة تلو الأخرى؟ وكذلك مع الأخذ في الاعتبار المشروع الإيراني وطموحه في الوصول للبحرين المتوسط والأحمر.
لسنا من نجهل تلك المشاريع، إنما ما الحل وتلك الأنظمة وعلى رأسها نظام الأسد هي من جلبت لنا المخاطر الدولية والإقليمية لعقر دارنا، هي من فتح الباب لكل المهددات برعونتها وعنجهيتها، أبعد كل جرائم تلك الأنظمة علينا أن نتحمل وزر سقوطها؟!

التعليقات